مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

ماذا نفهم برحيل شيرين؟

ماذا نفهم برحيل شيرين؟

تاريخ النشر: 2022-05-14 | 10:45

بكر أبوبكر
بكر أبوبكر

لابد أن المتابع للاعتداءات الصهيونية التي لم تتوقف على فلسطين وأهلها منذ النكبة أي منذ 74 عاماً حتى اليوم لم يملّ من النظر لجحافل الثوار الأفذاذ، والمقاومين والشهداء والأسرى والجرحى حتى مع طغيان وسائل التواصل الاجتماعي التي أُريد لها تفسيخ النسيج، وتنميط الناس، واللهو بعيدًا عن القضايا الكبرى.

إن المتابع للاعتداءات الصهيونية التي لا تتوقف في العقد الحالي من القرن21 يرى أن الشهادة أصبحت لدى الفلسطيني طريقة عيش، كما المقاومة والثبات في الأرض وذلك رغم تغير أسلوب النضال وتفرّق الفصائل أوتعبها، وانتحار الوحدوية البرامجية.

قلّما اجتمعت أمة على شخصية من خارج قياداتها السياسية أو العسكرية أو الفكرية الثقافية لأن هؤلاء هم من يصنعون الفلسفة والفكرة والبرنامج ويبنون العقول ويُدخِلون الصناعات لحيز التنفيذ فيُحبهم الشعب ،أو يسخط عليهم وينبذهم، وفي الحالتين لاينساهم.

عايش الكثيرون في التاريخ الحضاري العربي الاسلامي-المسيحي الحديث احتفاءً عظيمًا بالقادة من السياسيين والرؤساء أمثال جمال عبدالناصر وبن بيلا وياسر عرفات والملك فيصل وصباح الاحمد وغيرهم.

كما رأينا الاحتفاء -بحياتهم أو موتهم- لقامات ثقافية أو فنية أو فكرية كبرى في عالمنا العربي الرحب والمتميز .

ولكن أن نجد على غير المعهود احتفاءً باعلامي أو إعلامية شرسة مثلما حصل باستشهاد شيرين أبوعاقلة فإني أظنها سابقة هامة تؤسس لمفاهيم جديدة، على صُناع الفكر والسياسة والثقافة ان يعُوها جيدا.

فماذا نفهم من استشهاد شيرين أبوعاقلة؟

لم يكن أحد يعلم أنها مسيحية أو أمريكية أو حتى أنها مقدسية، وكان العلم الغالب هو أنها وطنية فلسطينية مقدسية تمسّكت بالجذور وتحصّنت بالثبات على أرض السرمدية فلسطين، وأبرزت للعالم بالصوت والصورة والنموذج بهاء فلسطين واشراقة المناضلين الفلسطينيين دون ضجيج أو تنظير أو كلام كثير وممجوج يصاحب صُنّاع الانتصارات الفارغة من كَذَبة السياسة أو محبي كراسيهم والصور، ومأفوني الأحزاب الميتة.

شيرين أبوعاقلة ولمن لايعلم فاسمها من أصل شرقي فارسي أي من قلب منطقتنا المتميزة عن هيمنة الغرب التنميطي، ويعني اسمها الحلوة أو العذبة. وهي كما قال عنها زملاؤها كانت كذلك ولربما ببساطة وصدق كلماتها ودون تنميق قد تكشفه القمره (كاميرا) أسَرَت قلوب الملايين.

لا ينكرُ أحدٌ أن لقناة الجزيرة فضلٌ في أن تدخل شيرين كل بيت -رغم تحفظنا أو اختلافنا مع أو عن كثير من سياسات هذه القناة في كثير من الأوقات-ولكن الأهم هو ما كان من وطنيتها النابضة وصمودها وبساطة ووضوح ودقة طروحاتها فتربعت شيرين على عرش القلوب.

تحركت شيرين مصطحبةً فلسطين، فكانت في كل مكان.

كانت نبيهة في نقلها للحدث ومنحازة للحق. فلا موضوعية مُدّعاة بتاتًا مع الحق، والانحياز للحقيقة واجب.

وما حقُ فلسطين وعدالة قضيتها إلا الحق المُبين، والعدالة بعينيها المعصوبتين.

جذّابة في حديثها وفي نقلها للحدث، ومِقدامة وصادقة، فلم تحتج أن تنشد القبولَ الذي أسبغه عليها الناس بتلقائية وحفاوة ومحبة غامرة.

إن شعب فلسطين وكما كان يردّد الخالد أبوعمار أكبر من قياداته، وهي من هذا الشعب وكانت أكبر من قياداته، وأثبتت حية وميتة أن بامكانها أن تصنع ثورة.

تعليقًا على الاعتداء على جنازة عروس فلسطين قال أحد الساسة الأوربيين وهو النائب البلجيكي سيمون موتكان: "لن أشارك صور الجيش الإسرائيلي وهو يضرب حاملي نعش شيرين أبو عاقلة، لن أقول هنا كيف يتحول اشمئزازي إلى غضب، وغضبي إلى غضب. سأتذكر فقط أن عنف الاحتلال والاستعمار والفصل العنصري هو الذي سمح لهم بتعنيف الفلسطينيين منذ عقود.
إنه أيضًا عنف صمتنا ، صمت حكومة بلدي، بلدي الأوروبي . أنا أشعر بالعار ، لقد مللت ، وعاشت فلسطين حرة".

قال المفكر العربي العراقي فاضل الربيعي مفتخرًا في وداع البطلة: "أعظم شعب ثوري في التاريخ البشري شعب فلسطين هذه انتفاضة شيرين".
وقال الاعلامي يوسف الريماوي ما قلّ ودلّ:"شيرين 10، "اسرائيل" صفر."

وكتب المفكر هاني المصري معلقًا على اعتداء الصهاينة على جنازتها في القدس بعد أن أعدموها بجنين أن: "اعتداء قوات الاحتلال على جثمان الشهيدة شيرين أبو عاقلة من قوات النخبة في دولة نووية ومتقدمة اقتصاديا وتقانيا ولديها جيش تدعي أنه من أقوى جيوش العالم يدلّ على أنها تخشى من جنازة، و من رفع العلم، و من الهتافات، ما يعني أنها تخاف رغم كل قوتها، فشرعيتها مفقودة و جرائمها تلاحقها وتسبب لها كوابيس فظيعة، وخشية من أنها لن تفلت إلى الأبد من العقاب، فالشعب الفلسطيني الصابر المرابط المقاوم يقف لها بالمرصاد ولن يكلّ ولا يستكين إلا بانجاز النصر الذي يستحقه و طال انتظاره".

وكنتُ قد كتبتُ في جنازتها قائلًا: عندما يحتقرُ الاحتلالُ حتى الأموات فيدنّس جثمان الشهيدة شيرين أبوعاقلة ويمنع المشيّعين بالهراوات داخل المستشفى فإنه يسجّل نقطة سوداء تكشف مجدّدًا عقم الفكر والتطبيق الصهيوني العنصري، ويكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الزائل قطعًا، فماذا سيقول الرئيس الأمريكي القادم الى فلسطين؟

لا تقلقوا، فعلى الصهاينة أن يتلقّوا كثيرًا من اللّطمات والصفعات القادمة، ولكن على قيادات وجماهير الفصائل أن تتأمل! وتفهم، أو تحاول أن تفهم!

على التنظيمات وقادتها إحسان فهم حركة الجماهير، وعليها التفكّر العميق بحالة المدّ الجماهيري التي ارتبطت بموت شيرين، فإما أن تهلّل أو تفزع! انطلاقًا من نظرتها للأمور ووضعها هي كفصيل في ميزان الشعب، فهي كشفت عورات كثيرة.

الشعبُ الفلسطيني لايحتملُ الكذابين والمتسلقين والفاسدين، وإن صبرَ عليهم فليس لرضا، أو تعب،أو كسل، وإنما لأنه بمُجملِه يفهمُ أن القضية المركزية والتناقض الرئيس هو مع العدو الصهيوني محتلّ الأرض فقط ،كما كان يقول ويطبّق القادة العظام صلاح خلف أبواياد وخليل الوزير ابوجهاد، ومنير شفيق وقبلهم هوشي منه والجنرال جياب.

في شهادة شيرين الصادمة للعالم الحرّ عِبرة للعالم أن الشعب العربي الفلسطيني هو شعبُ الأبطال، شعبُ الشهادة،والنضال والرسالة والمثابرة (الديمومة الثورية)، وهو شعب عربي أصيل من أب وأم أصيلة، لايقبل الضيم والجور أوالاحتلال أبدًا مهما طال الزمن واصفرّت أوراقه.

ونحن بالأصالة والإباء والربِاط والرحابة جُبِلنا كما كان يتغنى المتنبي وأبوفراس والأنداد، ويرسم الطريق سيف الدولة الحمداني أو صلاح الدين الأيوبي أو صقر قريش أو ابن تاشفين فتميزنا حضاريًا عن عفن الغرب العنصري الاستعماري.

بعد النكبة والنكسة وعديد الكبوات، وإثر عديد الاخفاقات السياسية والحزبية العربية كانت الأمة وكان الشعبُ بحاجة للابطال، والنصر، وبحاجة النموذج العملي والقدوة مع بضع قطرات من الماء الزلال تعيدُ له الأمل، فوثب الزعيم المِقدامُ ياسر عرفات يتقدم الرّكب وينتشل من معين لا ينضب،معين الجماهير فصنع ثورة، حتى اعتلى مركب الشهادة.

وبعد دهر، وفي عصر الانحدار العربي المُركّب اليوم، ومع ثِقل القدم الصهيو-أمريكية على الرقاب والصدور كانت مواكب الشهداء في فلسطين تترى لتُعلن البراءة من البطالة الثورية، وترسم حقلًا واسعاً من قمح العمل الصاعد نحو النصر بإذن الله.

في عصر التفوق الاعلامي والتواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي المتعجّل علَا هدير الصورة النابضة والعبارة الموجزة والكلمة المؤثرة، ووجد الهديرُ فرسانَه فكانت منهم وربما على رأسهم الفارسة أو أيقونة فلسطين الاعلامية كما أطلق عليها، أو عروس فلسطين شيرين.

في استشهاد شيرين وجب الفهم العميق حيث وقَع الفصلُ بين الغُلاةِ والمتطرفين في الدين الحنيف، أصحاب القضايا الثانوية، وبين أولئك أصحاب الاستقامة و القضية الرئيسية ومكنون السماحة والانفتاح.

وبموتها وقع الفصل بين المزاودين في الوطنية، أصحاب القضايا الحزبية العصبوية، واستقر الفهم الوطني والشعبي العارم والقومي الجامع بما كان من 4 جنازات أقيمت لها، لم يسبقها عليها الا الشهيد الخالد ياسر عرفات.

باستشهادها عبرات، بالمعنيين عِبرة وعَبرة ، وفي استشهادها آن للفصائل السياسية أن تصحو من غفوتها، وآن لها أن تتعلم أن بوابة فلسطين لاتمر من بين أيديهم هم فقط، فوراء الأكمة الكثير من الأفكار والأجسام والنماذج والكلمات التي تتفوق، أوتنمو شيئا فشيئا الى أن تسود.

وحين يحين الوقت، وفي الموعد المحدد تمامًا ستسقط الصهيونية ويزول الاحتلال والتاريخ شاهدٌ لا يُنكر، وسيجد المتوسّدون للأرائك في حديقة فلسطين، وشعبها البطل، أنهم فجأة أومباغتة قد سقطوا، أو أضحوا في مهب الريح.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط