مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

مئوية تصريح وعد بلفور المشؤوم

مئوية تصريح وعد بلفور المشؤوم

تاريخ النشر: 2016-11-04 | 18:52

«إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في بلد أخر». التصريح الذي أرسله آرثر جيمس بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، إلى روتشيلد اليهودي الصهيوني، قبل 99 عاماً من الآن.

اليوم، وفي مئوية وعد بلفور المشؤوم، علينا أن نتوقف أمام هذا التصريح بكلماته الـ 117، زوّر تاريخ وجغرافية منطقة بالكامل، وأدّت مفاعيله إلى اقتلاع شعب من أرضه من دون حق أو سند قانوني أو أخلاقي، ليُزرع مكانه شعب آخر، عُمل على استجلابه من كلّ أصقاع الدنيا برواية زُيّفت بمعنييها التاريخي والديني. وهذا ما دفع المؤرّخ الكبير ارنولد توينبي إلى الإعلان انه «كإنكليزي يشعر بالخجل والندم الشديدين على ازدواجية المعايير الأخلاقية التي حكمت سلوك حكومة بلاده في الإقدام على هذه الفعلة المنكرة».

علينا تتبّع السياق التاريخي الذي أوصل إلى تبني حكومة بريطانيا هذا التصريح، منذ ما قبل أن تقوم بريطانيا الاستعمارية بوضع فلسطين تحت سلطة وصايتها، الذي ومن المؤكد أنه جاء بهدف تسهيل سيطرة الحركة الصهيونية وقطعان المهاجرين اليهود على فلسطين.

فبعد أن حُسمت السيطرة داخل الحركة الصهيونية لجناح الصهيونية السياسية بقيادة الصهيوني تيودور هرتزل، تمّ تحديد الخيارات الصهيونية، ومفادها أنّ حل المسألة اليهودية لن يتمّ بالهجرة والاستيطان فقط، وإنما أيضاً بمساعدة واعتراف دوليين. ولأجل حسم هذه الخيارات وتكريس توجهها في السيطرة على فلسطين، كانت الحركة الصهيونية قد عقدت 11 مؤتمراً لهذا الهدف. وهذا ما عبّر عنه هرتزل في المؤتمر الصهيوني الثالث عام 1899 بالقول: «تتجه مساعينا صوب الحصول على براءةٍ في ظلّ سيادة صاحب الجلالة السلطان العثماني. وحين تصبح هذه البراءة في حوزتنا، شرط أن تشتمل على الضمانات القانونية العامة اللازمة، يمكننا آنذاك الشروع في استعمارٍ عملي واسع النطاق. وسوف نجلب للحكومة التركية منافع كبرى لقاء منحها إيانا هذه البراءة».

وفي عام 1908 قدّم الوزير البريطاني هربرت صاموئيل، وهو سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سام بريطاني في فلسطين، مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا شارحاً ما ستجنيه بريطانيا من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربي والقريبة من قناة السويس.

وسبق صدور تصريح بلفور الذي شكّل محطة رئيسية في تاريخ الاستيطان الصهيوني، وبالتالي القضية الفلسطينية، في سياق الحرب العالمية الأولى، بأسبابها وأهدافها، حيث عقدت خلال الحرب العالمية الأولى عدة لقاءات سرية بين الحكومة البريطانية وزعماء الحركة الصهيونية للوصول إلى اتفاقٍ بشأن منح فلسطين لليهود. ولإعطاء جرعة قوية لهذه المحادثات، وتشجيع ساسة بريطانيا الاستعمارية نشر حاييم وايزمان رسالة في تشرين الثاني من العام 1915 في صحيفة «المانشستر غارديان»، قال فيها: «إذا دخلت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني، ووافقت الحكومة البريطانية على تشجيع إسكان اليهود فيها، فإنه يمكن أن يصير لنا فيها خلال عشرين أو ثلاثين عاماً نحو مليون يهودي أو ربما أكثر من ذلك فيشكلون حراسة عملية قوية لقناة السويس».

وخلال مجريات الحرب العالمية الأولى وتطوراتها التي اندلعت في العام 1914، طرأت تغييرات على أولويات الحركة الصهيونية باتجاه أن تكون فلسطين هي الوطن المنتظر، خصوصاً عندما دخلت السلطنة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا. ولأجل ذلك كثفت الحركة نشاطها في كلّ الاتجاهات وخصوصاً لدى الدول النافذة، ولهذه الغاية بدأت مجموعة حاييم وايزمن عملها في لندن، وحاييم سوكولوف في باريس وروما، والقاضي لويس براندايس ومجموعة الصهاينة المقرّبين من الرئيس الأميركي ويلسون. ومن خارج رتابة المواقف المعلنة للولايات المتحدة الأميركية بعدم الإنخراط في التحالفات الدولية أو في النزاعات في ما بينها آنذاك، وجدت أميركا نفسها في خضمّ الحرب وأتونها عندما بدأت ألمانيا تُحرّض المكسيك بشنّ حرب على أميركا من أجل استرداد ولايات أريزونا وتكساس ونيومكسيكو، وذلك من خلال برقيات التقطتها بريطانيا كان قد وجهها وزير خارجية ألمانيا آرثر زيمرمان إلى نظيره المكسيكي، وقد عمدت بريطانيا لتسليمها للأميركيين الذين أعلنوا الحرب آنذاك على ألمانيا في نيسان من العام 1917. وهذا الإعلان الأميركي عن التدخل في الحرب قد لقي ترحيباً من بلفور الذي عبرّ عن ذلك بقوله: «إنها فرصة رومانتيكية لم أحظ بمثلها في حياتي كلها»، مما دفع بلفور ليُسارع الخُطى في السفر إلى أميركا، لتُشكل مناسبة في التأكد من تأييد واشنطن منح الحركة الصهيونية ما تصبو إليه وتبتغيه، وهذا ما طمأنه إليه القاضي لويس براندايس من أنّ الرئيس الأميركي ويلسون ينظر بعين الموافقة على أن تكون فلسطين تحت الحماية البريطانية. وهكذا تأكد بلفور بأنّ واشنطن مع إعلانه.

وبالتدقيق في هذا التصريح الوعد، نجده باطلاً للأسباب:

ـ أنه صدر في عام 1917، أيّ أنّ بريطانيا لا توجد أية صلة قانونية بفلسطين. وبالتالي احتلال بريطانيا لفلسطين حدث بعد صدور الوعد، ولأنّ قانون الاحتلال الحربي لا يُجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة، ولأنّ الحكومة البريطانية أعلنت في مناسبات كثيرة أنّ الهدف من احتلالها هو تحرير فلسطين من السيطرة العثمانية وإقامة حكومة وطنية فيها.

ـ هذا الوعد أعطى فلسطين لليهود وهم لا يملكون أية صفة أو حق في تسلمها أو استيطانها أو احتلالها.

ـ والوعد ليس اتفاقية مع دولة أو كيانات دولية ذات سيادة، فاللورد بلفور مسؤول بريطاني، ولكنه لا يملك حق التعاقد باسم دولته. وبالتالي اللورد روتشيلد مواطن بريطاني صهيوني، ولكنه لا يمثل الطائفة اليهودية المنتشرة في العالم، وهي لم يكن لها شخصية قانونية دولية.

ـ الوعد أضرّ بالحقوق التاريخية والحقوق المكتسبة لسكان فلسطين، فهم موجودون منذ آلاف السنين، وقد اعترفت لهم الدول الحليفة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق تقرير المصير وحق اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلائمهم.

ـ والوعد يتناقض مع بعض المواد في ميثاق عصبة الأمم أو صك الانتداب، فهو يتناقض مع المادة العشرين منه والتي تنص على «أنّ جميع أعضاء العصبة يقرّون كلّ ما يعنيه، بأنّ هذا الميثاق يُلغي كلّ الالتزامات أو الاتفاقيات الدولية المتعارضة مع أحكامه. ويتعهّدون رسمياً بعدم عقد التزامات أو اتفاقيات مماثلة في المستقبل. وإذا كان أحد الأعضاء قد تقيّد، قبل دخوله العصبة، بالتزامات متعارضة مع أحكام الميثاق، فعليه اتخاذ التدابير الفورية للتخلص منها».

مع المئوية الأولى للوعد المشؤوم يجب ألاّ تُغرينا أو أن ننخدع بأية تصريحات لا تترافق مع أية جهود تبذلها الحكومة البريطانية لتصحيح الخطيئة التاريخية بمعناها القانوني والأخلاقي، وعليه فإنّ التطلع نحو قيام بريطانيا بأية خطوات تصبّ في هذا السياق ضربٌ من الخيال. وهذا ما أكده اللورد بلفور في مذكرة نشرتها وزارة الخارجية البريطانية بين 1919 1939، وفيها يعترف قائلاً: «ليس في نيّتنا مراعاة حتى مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أنّ اللجنة الأميركية تحاول استقصاءها. إنّ القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء كانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيّدة أم سيّئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد، وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون هذه الأرض القديمة». وتلك التصريحات البائسة لا جدوى منها أمام جريمة ارتكبت في وضح النهار، وجرى تدبيرها في ليلة ظلماء عملت عليها القوى الاستعمارية والأنظمة العميلة لها.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط