مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لماذا لا يرحل أردوغان أيضاً!!

لم يكن أردوغان، ولا حتى في أسوأ كوابيسه، يتخيل أنه قد يجد نفسه يواجه سؤال المستقبل الذي واجه رؤساء بعض الدول العربية، حين أشعل المواطن التونسي "بوعزيزي" نفسه. مع تفجر ما بات يعرف بالربيع العربي، كان أردوغان أحد أبطال المشهد الجديد، فالرجل الذي وجد أن الإسلاميين القريبين منه هم من سيحصدون ثمار الربيع العربي، شعر أنه اكبر المنتصرين من الاضطرابات في شوارع تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق.

تصرف أردوغان مع الربيع العربي كما يتصرف مؤلف مع فكرة خاصة به. اعتقد أنه فعلاً كان من ألهم هذا الربيع العربي في تمدد وتضخم غير مقرون بالوقائع. وهو التضخم والتمدد نفسه الذي تصرفت به قطر وإن اختلف السياق وتباينت الغايات. لكن المؤكد أن أردوغان الذي أراد أن يجد نفسه أنموذجاً يحتذى به، وجد في صعود إخوته في الإسلام السياسي العربي عنصر مساعدة له في تصدير التجربة وفي البرهان على صوابية النهج.

لكن ما لم يدركه أردوغان أن هذه التجربة ستتصدع من الداخل وأن عنصر مقتلها هو فشلها الوظيفي، فهي لم تكن تجربة ناجحة بالمطلق، حيث إنها ارتكزت في الأساس على الفساد والمحسوبية وعلى سوء الإدارة، وابتعدت عن تقاليد الحكم الصالح. لم يكن "الباشا" باشا كما درج المثل، بل إن الباشا لم يكن إلا إنساناً عادياً يخطئ ويصيب. لكن الأنكى من ذلك أن النموذج كان يتجمل ويقدم نفسه بصورة ليست هي صورته الحقيقة. لم تكن تظاهرات ميدان تقسيم ولا الاضطرابات التي عمت إسطنبول إلا ترجمة لحالة الضيق من الحكم الذي يقدم نفسه بوصفه مطهراً منزهاً.

ملف حقوق الإنسان في تركيا أسود، وشهد حالات من التدهور شملت مؤخراً في مطلع هذا الشهر منع توزيع صحف المعارضة. كما ظهرت أزمة الفساد التي طالت وزراء في حكومة أردوغان ووصلت قيمتها 237 مليار دولار، لتدلل على أن الكلام يختلف عن الممارسة، وأن النموذج الأردوغاني لا يمكن له أن يكون موضع تقدير واحتذاء.

إن مراجعة ما قام به أردوغان في السنوات العشر الماضية من وجهة نظر عربية، تفند الكثير من المقولات حول حقيقة أن وجوده في الحكم هو مصلحة عربية. مع التذكير بالطبع أن ليس من حق أحد التقرير للشعب التركي، فهو من يختار من يقوده، ولكن من وجهة نظر عربية هل أردوغان الأفضل.

إذا كانت الأمور تقاس بخواتيمها، فإن أردوغان ساهم بشكل كبير في تدهور الأحوال العربية خاصة خلال حقبة الربيع العربي، فالتدخل التركي في زمن أردوغان في القضايا العربية كان في المحصلة ضد مصلحة العرب. لقد ارتكب أردوغان حماقة ضخمة بتدخله بالشأن السوري ومساهمته البشعة في تمزيق سورية، وبالتالي المساعدة على قتل المدنيين وتفتيت بنية الدولة. إن الجريمة ذاتها ارتكبت حين قصفت طائرات الناتو ليبيا. بالطبع لنؤكد جميعاً أننا مع سقوط الطغاة، لكننا لسنا مع تمزيق وتفتيت الدولة العربية وتأجيج النعرات الطائفية فيها سواء العرقية أو الدينية. وبذلك فإن أردوغان أساء لتركيا من حيث لا يحتسب، حيث إن تأجيج النعرات الطائفية في دول الجوار لن يكون بأي حال لصالح تركيا التي يوجد بها الكثير من الأقليات.

الأسوء من ذلك أن أردوغان ورط تركيا بأزمات ومشاكل وصراعات مع كل دول الجوار خاصة العربية منها، فهو على خلاف مع كبرى الدول العربية (مصر) بسبب إصراره على دعم موقف الإخوان المحظورين في مصر. حقيقة الأمر لا يوجد لأي دولة في العالم موقف أكثر تدخلاً في الشأن المصري من تركيا. فنظرية "تصفير الأزمات" التي نظّر لها وزير خارجية أردوغان احمد داود أوغلو، انهارت أمام طموح أردوغان التدخلي وحلمه بأن ينصب نفسه خليفة على العرب. فعلاقته متوترة في كل مكان حوله.

هل كانت علاقات أردوغان بإسرائيل سيئة. يمكن استجلاب مرمرة ودعم أردوغان لقطاع غزة للقول بنعم كبيرة. لكن في السياسة أكثر شيء يخدعك هو تلك الإجابات الكبيرة المفعمة بالعاطفة. فالعلاقات التركية الإسرائيلية على الصعيد العسكري لم تشهد الكثير من الفتور، بل إن تحسناً ملحوظاً يمكن تسجيله في السنتين الأخيرتين. أما الموقف التركي السياسي فإنه لم يكن براءة اختراع أردوغان، إذ أن الحكومات التركية منذ نهاية السبعينيات مثل بقية دول أوروبا بدأت بأخذ مواقف أكثر تفهماً للحقوق الوطنية الفلسطينية. كما أن الحكومة التركية كانت دوماً ومنذ النكبة مع حقوق الفلسطينيين وإن كانت تميز بين دعهما للشعب الفلسطيني وعلاقتها مع منظمة التحرير.

في المقابل فإن زعيم المعارضة التركية كمال كيليجدار أوغلو يقدم مقاربة مختلفة، مستنداً إلى تعلم أخطاء حزبه من الماضي. فهو مثلاً مخلص لتقاليد الجمهورية التركية التي تأسست على العلمانية وعدم استخدام الدين في السياسية. فهو قد اعترف قبل فترة بأنه ينحدر من سلالة النبي عليه السلام، لكنه لا يستخدم ذلك في خطاباته السياسية لأن الأساس أن الدين للعبادة والسياسة للحكم. كما أن موقفه من التدخل التركي في الشأن المصري والسوري حازم وكان مبكراً، وقبل أن تفيق الكثير من دول المنطقة من الصدمة.

فأذكر أنني سمعته يتحدث بمعارضته لأي تدخل في سورية في الأشهر الأولى للأزمة التركية. فالرجل لا يرى فائدة من تمزيق سورية ولا من إحداث قلاقل في مصر. إنه بعبارة أخرى ينظر بعين صائبة إلى وحدة حال الدولة العربية. وعليه فهو ضد وصول السلاح التركي للمعارضة السورية وضد موقف أردوغان المتصلب من الفريق السيسي.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فإن مواقف حزب الشعب الذي هو بالمناسبة زميل حركة فتح في الاشتراكية الدولية، لن تختلف عن المواقف التركية الحالية الداعمة للحقوق الفلسطينية. أذكر أن أوغلو قال لي حين عرف أنني فلسطيني في أحد المؤتمرات إنه كان في شبابه يشارك في التظاهرات المنددة بإسرائيل والمؤيدة للفلسطينيين. والتقط معي صورة وضعها على صفحة الحزب على الفيس بوك تقديراً منه لغزة.

ما اقترحه أن أردوغان ليس أفضل الموجود، وأن المصالح العربية لن تتضرر إذا رحل. ومن يعرف فإن حلقة الربيع العربي الأخيرة قد لا تكتمل إلا برحيل احد أشد المتحمسين له والمستفيدين منه، وأن ثمة تركيا أخرى في الطريق.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط