مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لغز غزة...غزة اللغز

لغز غزة...غزة اللغز

تاريخ النشر: 2018-07-25 | 15:17

 هذه الكلمات  قد تعتبر استغراقا عاطفيا مكرورا، فيما نحن أمام وقائع سياسية وأحداث ميدانية، ولكن كيف لنا أن نحيّد العاطفة ونحن نتحدث عن قطعة غالية عزيزة من جسد الوطن الفلسطيني المنكوب؟وكيف نخلع أو ننزع مشاعرنا الإنسانية أمام المشهد الدامي؟هذا طلب تحت (ما لا يستطاع) وبعيد عن منطق الواقعية...ومع ذلك سأحاول تغليب لغة الأرقام وطرح الحقائق واستعراض الماضي والحاضر واستشراف المستقبل في السطور التالية.

 لو قلنا أن في غزة لغز سهل ممتنع فإننا لا نحيد عن حقيقة الأشياء، ولا ندخل في طوباوية مفرطة ولا نستغرق في تأملات صوفية حالمة...في غزة لغز معقد وبسيط وواضح ومخفي وسهل وصعب في آن واحد.

 ما هذا القطاع الذي  بمقياس المساحات ليس كبيرا ولا شاسعا، ومع ذلك ينشغل به العدو والصديق، والدول الكبرى والعظمى والإقليمية والمؤثرة تسعى وراء الإمساك بحل لغزه؟ هل ثمة مبالغة؟ لا أظن ذلك ولننظر كم من مسؤولي الدول في أقصى الغرب والشرق يبحثون أمر غزة.

 وإذا كان  رابين قد تمنى يوماً أن يبتلع البحر غزة، فإنه أدرك بحس اللص المجرم أن هذه البقعة الصغيرة من الأرض المسلوبة ستمثل التحدي الأكبر لمشروعه، وستكون صداعا مزمناً.

 وحين هرب(نعم هرب) شارون من غزة، ساد ظنٌّ بأنها قد خرجت من دائرة الصراع المباشر مع المشروع الصهيوني...لكن الحقيقة قالت وتقول بأن غزة ظلت تطارد إسرائيل وتواصل بإصرار أن تكون  أرقا لقادتها سواء أكانوا من العمل أو الليكود أو كاديما أو غيرهم.

 غزة هي التحدي الأكبر لإسرائيل في حقيقة الأمر، ولست في معرض بخس أي طرف أو ساحة مواجهة أخرى ما يمثلون من تحدّ...لكن غزة ظلت حالة مستمرة متراكمة متجددة بعنفوان متصاعد يوما بعد يوم.

 لقد خاضت المقاومة اللبنانية وتحديدا (حزب الله) حربا مع إسرائيل في صيف 2006 وأبدعت في توجيه الضربات المختلفة لجيش الاحتلال ومستوطنيه، وكان من تداعيات تلك الحرب سقوط أولمرت، وعدد من قادة أركان جيش الاحتلال، ولا أحد يمكنه إنكار ذلك؛ ولكن ومنذ ذلك الحين توقفت الجبهة اللبنانية عن استنزاف وضرب الاحتلال، بغض النظر عن الأسباب والظروف وتفصيلات يطول النقاش حولها، وما جرى خلال 12 عاما في تلك الجبهة لم يتجاوز مناوشات خفيفة محدودة متباعدة زمنيا لم تغير في حقيقة هدوء يواطئ استقرارها ميدانيا، مع ذلك الصخب والحرب الإعلامية والكلامية والتهديدات المتبادلة.

 مع ضرورة الأخذ بالحسبان والميزان أن المقاومة في لبنان خاضت الحرب والمواجهات التي سبقتها في ظروف مريحة نسبيا؛ فهناك تضاريس ملائمة للقتال والكرّ والفرّ ومساحات واسعة للمناورة، وحجم الدعم والإسناد الذي تتمتع به لا يقارن مع غزة نظرا لالتصاق لبنان بسورية، وقدرة المقاومة بحكم الجغرافية المريحة على توفير الدعم الإيراني الكامل بكل سهولة، على الأقل مقارنة بوضع غزة...أليس كذلك؟

 وفي المقابل فإن قطاع غزة بالمقياس العسكري المجرّد الافتراضي هو منطقة يسهل سقوطها في أول جولة، فهذا القطاع هو كما نعلم شريط ساحلي ضيق بمساحة تقدر بحوالي 365كم2    ويخضع لدكتاتورية الجغرافية المعقدة أيما تعقيد.

 ومع ذلك ورغم كل الظروف الصعبة جغرافيا وسياسيا واقتصادياوعسكريا، قاتلت غزة وخاضت خلال عقد من الزمن ثلاثة حروب، وما قبل هذه الحروب وما بينها وفيما بعدها وحتى اللحظة تخوض غزة مواجهات على هامش التهدئة الهشة، وجولات القتال فيها لا تكاد تتوقف إلا لتبدأ من جديد.

 والخسائر في غزة لم تكن بسيطة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة والبنى التحتية، ولكن الكيان العبري لم يتمكن من إخضاع غزة وتركيعها، أو حتى انتزاع (صورة نصر) لطالما سعى سعيا حثيثا لانتزاعها.

 ودول عربية عدة منذ اختيار السادات مسار كامب ديفيد تعرضت وتتعرض لاستفزازات إسرائيل العدوانية؛ فقد عربدت إسرائيل في أجواء العراق ودمرت مفاعل تموز شرقا، وعربدت غربا وارتكبت مجزرة حمام الشط في تونس، وباستمرار تهاجم سورية ولبنان بالقصف أو انتهاك المجال الجوي بكل وقاحة وصلف، ولم ولا تلقى-في أغلب الحالات- إلا الكلاشيه الجاهزة(الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والزمان المناسبين)...بينما غزة كانت الوحيدة-باستثناء الضربات التي وجهها صدام حسين إبان حرب الخليج الثانية- عربيا بل إسلاميا من كسرت القاعدة الصعبة في عصر العربدة الصهيونية الشرسة وحالة(العلو الكبير) فقصفت تل أبيب بما تيسر لها من صواريخ، وعن هذا عبرت أغنية الفنانين شادي البوريني وقاسم النجار التي يحفظها ويرددها كثير من الفلسطينيين:-

 " قصفوا السودان وسورية وضربوا أسطول الحرية ولما ضربوا الغزاوية...غزة ضربت تل أبيب"

 لقد أبدعت غزة في تطوير أداء وقدرات المقاومين للدفاع عن شعبهم بما تيسر من السلاح الخفيف والمتوسط والصواريخ، ولكنها ومنذ نهاية آذار/مارس من العام الجاري 2018، مزجت أو جعلت في موازاة ذلك حالة مقاومة شعبية لم تتوقف عبر مسيرات العودة، فالفلسطينيون في غزة باستخدام إطارات الكاوتشوك والطائرات الورقية وشيء آخر تحدث عنه الإعلام أقل بساطة وكلفة، أحدثوا حالة غير مسبوقة في الصراع مع الاحتلال وأعادوا إلى الواجهة جوهر الصراع أي قضية اللاجئين وحقهم المشروع في العودة بعد 70 سنة، بطرق وأساليب شعبية مبتكرة، وصار للأمر نوع من الزخم والتراكم المستمر، ما جعل قادة الاحتلال في حيص بيص، هم ومن  يقف خلفهم وراء البحار ويمدهم بأسباب القوة وعوامل البقاء الزائف فوق أرضنا.

 هي إذن غزة التي جعلت مما كان يوصف بالمستحيل حقيقة راسخة واضحة، وأنتجت من عناصر ومركبات بسيطة معادلة كيميائية معقدة أعيت نتنياهو وليبرمان، ولم تفلح عمليات القتل، والتسبب بإصابات تؤدي إلى إعاقات دائمة، في كسر عزيمة أهل غزة وما (إبراهيم أبو ثريا) إلا نموذجا من النماذج التي تعج بها غزة.

 وواصلت إسرائيل حربها الإعلامية والنفسية، لدرجة تدعو إلى الضحك والسخرية حين نرى أفيخاي أدرعي يستخدم آيات الذكر الحكيم -التي تلعنه- في دلالة على فشل قادة الكيان السياسيين والعسكريين ورديفهم من الإعلاميين في الحصول على ما سعوا وراءه 70 سنة ويزيد أي القبول بشرعية وجودهم بحكم منطق القوة وفرض الأمر الواقع وتآمر قوى الاستعمار.

 هو لغز غزة، أو غزة اللغز أو كلاهما، ليس مهما، وحل اللغز ليس صعبا؛ ومفتاحه أن قطاع غزة يولد فيه كل 10 دقائق مولود جديد، وإخوة وأخوات هذا المولود حين ينتزعون السياج ويتعرضون دون ذلك لرصاص وقذائف الاحتلال الإجرامي، يقولون بلسان الحال:إن المواليد الجدد لن يعيشوا حياتهم في عشرات الأعوام القادمة بمعادلة فرضتها لندن أو واشنطن تقتضي انتقاص حقهم-كما فعلوا بآبائنا وأجدادنا- في حياة كريمة؛ فيجب أن يلعبوا بأمان ويذهبوا إلى مدارسهم باطمئنان، ولن تنفع كل الخطط والاقتراحات المسرّبة إلى الإعلام في تدجين غزة وأهلها، والسلم والسلام فقط حين تنام عائلاتها بأمن وسلام.

 ترسم غزة لوحة التحدي وعليها أيقونات شامخة ما بين مقاوم حمل السلاح ليدافع عن كرامة شعبه، أو متطوعة لإسعاف الجرحى، أو صحفي أراد نقل الحقيقة من أرض الميدان، أو طفل كان يلهو ويلعب، استشهدوا جميعا برصاص وقذائف مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية، فما لانت لغزة قناة، وتواصل طرح اللغز بشموخ وكرامة.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط