مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لعب الكبار والصغار في الخرائط الجديدة

إذا لم تستطع مصر أن تؤثر في محيطها، فلا أقل من ان تحاول تفهم الذي يجرى فيه. خصوصاً إذا كانت تفاعلات المحيط من الأهمية والإثارة بحيث لا ينبغي تجاهله.

(1)
مصر فقدت تأثيرها حقاً، حتى على المستوى الإقليمي، إلا أنها لم تفقد اهميتها، لذلك فهي موجودة في الملفات وغائبة عن الطاولات، اعني ان اللاعبين الكبار يناقشون أوضاعها في سياق بحثهم لخرائط المنطقة العربية التي تضم عناوين عدة أخرى، إلا انها لا تشارك في تلك المناقشات، الامر الذي يسوغ لنا ان نقول إنها حاضرة وغائبة في الوقت نفسه.
هذه خلاصة خرجتُ بها من زيارة خاطفة قمت بها خارج مصر، التقيت خلالها أناساً ممن يعرفون أكثر مما ينبغي، وسمعت منهم كلاماً لا أستطيع أن أكتمه. وقد قبلوا ان أنقل عنهم بعض ما قالوه شريطة ألا أذكر شيئاً عن أشخاص القائلين أو مكان لقياهم.
ما فهمته ان ثمة قلقاً في الدوائر الغربية إزاء عدم استقرار الأوضاع في مصر. وأن المناقشات الدائرة حول مستقبل الإقليم لم تتوقف في ست عواصم على الأقل هي بروكسل واسطنبول وجنيف ولندن وباريس وأديس أبابا (مقر منظمة الوحدة الأفريقية)، وقد تطرقت تلك المناقشات في أحد الاجتماعات إلى الحديث عن بعض تفاصيل المستقبل في مصر، وألقيت في ذلك الاجتماع أسماء بعض المرشحين المدنيين لرئاسة الجمهورية.
فهمت أيضاً ان الأطراف الحقوقية في لندن وجنيف على الأقل معنية بتقصي حقائق النتائج التي ترتبت على فض الاعتصامات والتظاهرات في القاهرة وبعض المدن الأخرى. وفي الوقت الراهن فإن الاتحاد الأوروبي تلقى حتى الآن قائمة بأسماء 1700 شخص، قتلوا يوم 14 آب أثناء فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة»، وهو رقم مرشح للزيادة، كما ان هناك تقريراً آخر أمام تلك الأطراف الحقوقية يتعلق بنوعية الأسلحة التي استخدمت في فض الاعتصامات، تقوم بدراسته مجموعة من كبار المحامين في إنكلترا. وهي المجموعة ذاتها التي لاحقت المسؤولين عن الجرائم التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، خلال الصدام الدموي الذي حدث بين الجيش وبين «جبهة الإنقاذ»، جراء إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات التي فازت فيها الجبهة.
(2)
في ما خص الإقليم سمعتُ الملاحظات التالية:
÷ إن موازين القوى تغيَّرت في العالم العربي، بحيث أصبحت السعودية هي اللاعب الأساسي في المشرق، وباتت الجزائر لاعباً أساسياً في المغرب. وقد أصبحت السعودية تقود محوراً في المشرق يضم دولة الإمارات والأردن والكويت بدرجة أخرى، وباتت تلعب دوراً أساسياً في مقاومة النظام السوري، كما ان دورها ليس خافياً في لبنان ولا في دعم أهل السنة في العراق. ومع ذلك فإن أوضاع الحكم الداخلية ليست مستقرة تماما، لان ثمة لغطا في دوائر السلطة حول ترتيبات مرحلة ما بعد الملك عبدالله (89 عاماً) الذي اعتلت صحته، إضافة إلى أعراض المرض التي ظهرت على الأمير سلمان ولي العهد (77 عاماً)، وهو ما فتح الأبواب لتجاذب مكتوم بين أجنحة الأسرة المالكة.
في بلاد المغرب يتنامى دور الجزائر، التي لم تسلم من القلق الداخلي بسبب اتجاه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (75 عاما) إلى الترشح لولاية رابعة. تجلى ذلك في الدور الذي يحاول ان يلعبه للوساطة في تونس، حين استقبل أحد السياسيين المعارضين القائد السبسي مؤسس حركة «نداء تونس» والشيخ راشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» في مسعى للوساطة بينهما. وهو ما تزامن مع اجتماعات لمسؤولي الأجهزة الأمنية شهدتها العاصمة الجزائرية لترتيب الأوضاع في منطقة المغرب، خصوصاً في ليبيا.
÷ الاجتماع الذي عقد في الجزائر شارك فيه ممثلون عن أجهزة الاستخبارات في السعودية والإمارات، نظراً لأن الدولتين تحاولان لعب أدوار بصياغات مختلفة في بعض دول المنطقة، خصوصا تونس وليبيا. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تسعى فيها الدولتان إلى التأثير في الخرائط السياسية بالمغرب. وقد فهم ان الهدف من ذلك هو إضعاف دور التيارات الإسلامية التي برزت في هذين البلدين في دائرة القرار السياسي.
÷ تنفس الجميع الصعداء لأن القصف العسكري لسوريا لم يتم، علماً ان بعض الدول العربية لم يسعدها ذلك، بالتالي فإن سيناريو ما بعد القصف الذي أقلق الجيران تأجل تنفيذه على الأقل. إلا ان الدول الأوروبية لا تزال تعبر عن قلقها إزاء توافد عناصر من الشيعة للدفاع عن نظام الأسد. وهؤلاء ليسوا مقصورين على «حزب الله» والمقاتلين العراقيين، وانما هناك متطوعون من دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان والهند. كما ان هناك متطوعين من الحوثيين في اليمن. وهناك تفكير لاستصدار قرار من مجلس الأمن يطالب بإخراج المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، قبل أي تسوية منتظرة.
(3)
إذا جاز لنا ان نقول إن هذا الذي ذكرته يدخل في صلب اهتمامات الأطراف الإقليمية التي يمكن تشبيهها بأندية الدرجة الثانية، فإن اللاعبين الكبار من أندية الدرجة الأولى ـ لها اهتمامات أخرى أهم وأعمق، ما يهمنا من تلك الاهتمامات أمران لا ثالث لهما هما: الكشف عن مخزون السلاح الكيميائي الذي تملكه سوريا، الاتصال الهاتفي الذي تم بين الرئيسين الأميركي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني. والأول يحل مشكلة لإسرائيل التي ظل يؤرقها طوال السنوات الأخيرة كيميائي سوريا والبرنامج النووي الإيراني. وبالتخلص من الكيماوي تفقد سوريا أهم سلاح استراتيجي تملكه، وفي الوقت نفسه ينزاح نصف الهم الإسرائيلي، وبقي النصف الثاني المتمثل في النووي الإيراني الذي هو محل مساومة الآن.
في الوقت نفسه، فإن تفاهم واشنطن وموسكو على التخلص من الكيميائي السوري فاجأ الأطراف العربية (المخابرات السعودية خاصة) التي راهنت على توجيه الضربة العسكرية إلى سوريا، ووطدت نفسها على التعامل مع مرحلة ما بعد القصف.
أصداء الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأميركي والإيراني أقوى وأبعد بكثير مما يبدو على السطح. ذلك انه قلب كثيراً من المعادلات المستقرة في المنطقة. فدول الخليج التي كانت تراهن دائماً على توتر العلاقات وتضارب المصالح بين طهران وواشنطن، أصبحت في حيرة من أمرها، حيث باتت تشعر بأنها صارت في الموقف الأضعف أمام تنامي الدور الإقليمي والدولي لإيران.
لا يقف صدى التفاهم الأميركي الإيراني عند حدود الخليج، وكونه فتح الباب لكي تصبح إيران طرفاً أكثر فعالية في الشأن الإقليمي (لاحظ انها موجودة في سوريا والعراق ولبنان واليمن). وانما أدى ذلك إلى تراجع نسبي في الدور التركي الذي لم يعد يحظى بالحماس الأميركي منذ تولى السلطة حزب «العدالة والتنمية» ورئاسة عبدالله غول وطيب أردوغان. لذلك فإنه إذا كان العام الماضي قد شهد حضوراً قوياً لتركيا في العالم العربي (باستثناء سوريا) فإن إيران بصدد احتلال تلك المكانة مع نهاية العام الحالي، خصوصاً أن الإدارة الأميركية أصبحت تتحدث عن إيران في المحافل الدولية هذه الأيام، بحسبانها دولة أصبحت معتدلة ومنفتحة على الآخرين. ومن الواضح ان طهران حريصة على تأكيد هذه الصورة، وهو ما كان ملاحظاً في خطوط الاتصال التي انفتحت مؤخراً بين أنقرة وطهران، وفى تجدد الاتصالات بين إيران وحركة «حماس» بعد فتور نسبي استمر طوال العامين الأخيرين. وقد عقد اجتماع لهذا الغرض في أنقرة في نهاية الأسبوع الماضي بين خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» وبين أحد أهم المسؤولين الإيرانيين عن ملف المشرق العربي. وتلك هي المرة الأولى التي عقد فيها مثل ذلك الاجتماع الذي كانت طهران ترفض عقده خارج أراضيها.
(4)
من ناحية أخرى، فإننا نلاحظ ان غياب التأثير ليس مقصوراً على مصر وحدها، لكنه انصرف إلى العالم العربي بالقدر ذاته. كأنما حين غابت مصر غاب العرب، وأصبح أداء الاخيرين مقصوراً على اللعب مع أندية «الدرجة الثانية» في جنبات العالم العربي. وفى الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات تصاعد أسهم إيران، فإن تركيا تمر الآن بمرحلة مراجعة ونقد للذات، ليس فقط للحفاظ على تماسكها في مواجهة العواصف التي باتت تهب عليها من كل صوب، ولكن أيضاً لأنها مقبلة على انتخابات حاسمة بلدية ورئاسية في العام المقبل.
ما يبعث على الحيرة والدهشة في آن، ان بعض الأطراف العربية وهي ترى التحولات التي تتفاعل في محيطها، لم يخطر لها ان تعيد النظر في أوضاعها لكي تستعيد دورها وعافيتها، ولكنها راحت تتطلع إلى الولايات المتحدة في محاولة من جانبها لمد الجسور مع الجمهوريين في واشنطن للضغط على الرئيس أوباما لتغيير سياساته تجاهها. وذلك إذا صح فإنه يعني ان تلك أطراف لا ينبغي المراهنة عليها ولا أمل فيها في الأجل المنظور على الأقل.
عن الشرق القطرية
×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط