مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لعبة "جيكل" و"هايد" فلسطينية

يبدو أن قيظ لندن غير المحتمل أباح التنفيس عن غيظ النفوس بأي شكل متاح. الأحد الماضي، خلال غداء خفيف مع ليندا، جارتي الإنجليزية حتى العظم، راحت هي تتصفح جريدة «ميل أون صاندي»، صحيفتها المفضلة بحكم توجهها اليميني المحافظ، فيما شدني موضوع غلاف ملحق الصحيفة عما طرأ من تغيير في حياة كريسّي هايندي، مغنيّة الروك الأميركية، بعد بلوغها العام السادس والستين، وكيف أنها باتت تثير الفضول أكثر، إذ تمارس، على المكشوف وبلا خوف، أشكالاً من شخصية «جيكل» و«هايد». لافتاً انتباه ليندا إلى عنوان غلاف الملحق، تساءلت: تُرى، أيحتمل أن كل مخلوق يحمل داخله شيئاً من «جيكل» و«هايد»؟ سارعت تجيب بلا تردد: طبعاً.
الأرجح أن الإجابة لم تبتعد عن الصواب، إذا كان المقصود، على وجه التحديد، ما أراد الأسكوتلندي روبرت لويس ستيفنسون، مؤلف رواية «دكتور جيكل ومستر هايد» - المنشورة في أول طبعة لها بلندن سنة 1886 - تسليط الضوء عليه: الصراع بين نوازع الخير ودوافع الشر داخل أي نفس بشرية. ضمن هذا الفهم، ربما يصح افتراض أن كل إنسان خيِّر بالفطرة، وصاحب مكانة محترمة في المجتمع، سوف يصارع، في لحظة ما، وربما طوال مرحلة محددة من حياته، عوامل شرٍ تحاول أن تفرض عليه ارتكاب حماقة غير متسقة مع أي شخص سوي.
يخرج الأمر عن الحيز الطبيعي إذ يؤدي ذلك الصراع إلى تقمص الدكتور جيكل - ومثله من يعاني هكذا وضع - شخص مستر هايد، في محاولة لإرضاء الجانب غير السوّي، لكن الخطر الفظيع يتمثل في أن مستر هايد الشرير، يصبح هو الأنا الطاغية على تصرفات الدكتور جيكل، من غير أن يؤثر ذلك على صورة الرجل الخيِّر في أعين أكثر الناس.
ترى، هل يقع مثل هذا التناقض المُفجِع، في ممارسات ساسة كبار يتحملون مسؤولية صنع القرار على مستويات عدة في المجتمع؟ الجواب البسيط هو: نعم، يحصل في مختلف مجتمعات الأرض، وفي مراحل عدة من أعمار الأقوام. شواهد كثيرة تحفل بها سجلات الأمم عبر القرون تقول إن هناك بين الشعوب مَن دفع باهظ الثمن طوال عقود، فقط لأن مستر «هايد» الطاغية، المختبئ تحت مسام جلد زعيم ليس يبدو للناس منه سوى ما يتوهمون أنه الخير كله، سيطر في النهاية فعاث في أرض قومه أنفسهم، قبل غيرهم، فساداً، حتى هلك الزرع، وجف الضرع، وما عاد ينفع عض أصبع الندم شيئاً.
إنما، إذا كان يسهل فهم أسباب حضور هكذا وضع في دوّل مستقلة ذات سيادة، كيف يمكن تفهم ممارسة معظم ساسة فلسطين، منذ ما قبل نكبة 1948 وما تلاها لاحقاً، للعبة «جيكل» و«هايد»، سواء في التعامل مع الفلسطينيين أنفسهم، أو مع الجوار العربي، وامتداده الإسلامي، أو على الصعيد الدولي عموماً. ربما يتساءل البعض: هل من مثال على ذلك؟ الواقع أن الأمثلة كثيرة، والأرجح أن وعي القراء، والقارئات، مُلمٌ بتفاصيل نشأة الحضور الفلسطيني، سياسياً وعسكرياً، وتطوره إلى ما يشبه دول ضمن دول، في مجتمعات عربية عدة، ومُلمٌ من ثم بالكوارث التي أوصل إليها ذلك الحضور عندما اعتاد ممارسة اللعبة ذاتها: «جيكل» و«هايد».
ضمن السياق ذاته، ثمة خطر جديد بدأ يطل منذ إطلالة فضاء العالم الإنترنتي، لكنه آخذٌ في التصاعد. هو خطر يتمثل في انتشار كتائب إلكترونية تتخذ من فلسطين القضية، والشعب، والمأساة، ستاراً لتوجيه كلام فظ، ومعيب، ضد دول عربية محددة، خصوصاً دول الخليج. أقرب للمستحيل أن يمارس أي فلسطيني يحمل حب فلسطين في القلب، خالصاً لها بكل ذرات ترابها، وبلا ذرة شبهة ولاءات لغيرها، هكذا تصرف يضع الفلسطيني الإنسان، وليس السياسي، في صورة من يمارس لعبة «جيكل» و«هايد» في التعامل مع أشقاء عرب. لقد عشتُ، كما كل أترابي، زمناً لم يكن أغلى عند كل عربي من قضية فلسطين وشعبها. ها قد أتى زمن نُفّر فيه عربٌ كثيرون من القضية وأهلها، لأن بعض أولئك الأهل حشروا أنوفهم في شؤون غيرهم من العرب، وبلا خُلق أو أدب، فما المُستغرب إذا انفض الآخرون وأداروا ظهورهم. يبقى الأمل أن يستيقظ الضمير، رغم قيظ الصيف، وأن يكف بعض الفلسطينيين عن ممارسة لعبة «جيكل» و«هايد» في التعامل مع أي من أشقائهم العرب.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط