مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لحظة محاسبة على بوابة العام الجديد..!

شمس عام جديد ستشرق بعد يومين على العالم العربي، تبدأ دورتها العادية لتمر فوق بحار الدم ودخان التفجيرات وفجيعة الصراع على الحكم، وستقرأ لغة الموت التي تسود حوارات العواصم في السنوات الثلاث الأخيرة منذ أن أطلق محمد البوعزيزي صافرة سباق القتل، ليكشف عن أكثر ما فينا من نزعات غرائزية غادرتها شعوب العالم منذ أن دخلت الحضارة.
ومع شمس العام الجديد الذي يطل ستنعكس أشعتها على لون الأنهار التي تلونت بالدم ومنحدرات السحل والذبح التي تدحرج عليها تاريخ العرب الحديث مكللا بعار الفشل في بناء ثقافة الدولة والنظام السياسي، متأثرا بجراح ستبقى ندوبا غائرة وعلامات شاهدة على هذا الفشل.
حتى كتابة هذا المقال، ما زال الغبار ينبعث من تفجير بيروت الذي يسلمها تذكرة الانضمام لنادي عواصم الذبح العربي من بغداد إلى تونس، وبينهما خط متعرج من الدم والبارود يمر عبر دمشق والقاهرة وطرابلس ليبيا، بعد أن حسمت السودان وفلسطين أمرهما مبكرا بالقتل ثم الانقسام واقتسام البلدين كغنائم حروب بين الأخوة الألداء.
قبل اهتزاز الإقليم كنا نعتقد أننا استثناء حين قتلنا بعضنا على السلطة، كان الاشتباه بحداثة تجربة الفصائل في ممارسة الحكم، اعتقدنا أن الحداثة اختلطت بالجهل حتى جاء ربيع العرب الذي تساقطت فيه كل أوراقهم لنكتشف أننا كلنا في النهم على الحكم سواء، وأن السلطة دونها الرقاب.
سندخل العام الجديد ونحن نعاني من نزيف مزمن في فكرنا، أحدثته ثقافة لديها إصرار على أن تعشش فينا أزمة التعايش مع المختلف معنا سياسيا وثقافيا ودينيا وحضاريا، وكل الذين ليسوا نسخة كربونية عن كل منا، وحيث تحولت ثقافة الحكم إلى غريزة تفرش طريقها بالدم ولا يقبل أي منا إلا أن يتصدر المشهد، وإن كان الثمن كل منظومة القيم والأخلاق والمبادئ التي تدفع رخيصة على مذبح الوزارة.
وغريزة السلطة تلك تحولت إلى أم الأزمات لدينا فلا المعارضة عادت تقبل طويلا بهذه المكانة في ظل تأبيد الحزب الحاكم، ولا السلطة قبلت أن تتنازل بأقل من جماجم البشر، وفشلنا في تقسيم السلطة والثروة، وكل منا أراد أن يستفرد بهما ويسحق الآخر بلا رحمة، إنه موروثنا الثقافي الذي ندفع ثمنه، وكم هو مدهش بيت الشعر الذي قاله أبو العلاء المعري والذي يلخص تاريخنا وثقافتنا السياسية حين قال "نحن أناس لا توسط بيننا... لنا الصدر دون العالمين أو القبر" إما السلطة أو القبر أو السجن وهذا ما افتتحته حفلة البوعزيزي وما زال عود الثقاب مشتعلاً.
سندخل العام الجديد مصابين بحمى السلطة مولعين بالصراع عليها معلنين فشلنا في إيجاد قواسم مشتركة، وتلك تتطلب ثقافة مختلفة، أولها أن يدرك كل منا أنه لا يحتكر الحقيقة، كما هي ثقافة الأحزاب العربية، وأن يقبل بتداول الحكم بعكس ثقافة القوى والأحزاب في العالم العربي، وإذا كنا محكومين بثنائية التضاد "لنا الصدر أو القبر" وما زالت جزءا من بنيتنا السياسية فأطاحت ببعض الدول التي أصابها التغيير حد الدمار، فإن الأمل بقدرة العالم العربي على تجاوز محنته يبدو محل شك وهو يدخل العام الجديد مدججا بالحقد والكراهية اللتين تكفيان لاستمرار الحريق طويلا.
كل منا يمتلك من طوباوية الشعار ما يغطي إمبراطورية كبيرة، ولكن خلف هذه الشعارات تختفي ثقافة قبلية مستمدة من تراث غارق بالدم عنوانه الحقيقي "الصدر أو القبر"، وهذا العنوان بينه وبين الشراكة وهي الأساس لبناء الدول واستقرار النظم طلاق بائن بينونة كبرى، ومع جنون السعار على الصدر سقطنا كلنا في القبر مواطنين وزعامات سابقة، وأخذنا محاولاتنا الوليدة لبناء دول واقتصاد ومجتمعات ذهبت ضحية الصراع على الصدارة والحكم.
شيطان الصراع المذهبي استدعي فجأة من القمقم ليكون وقود معارك لن تنتهي بين العرب الذين ضللوا أنفسهم طويلا حين رفعوا شعارات العدو الخارجي، لنكتشف أن فيهم ما يكفيهم من عداء لبعضهم لإشعال براكين توزع حمما من الحقد على المدن العربية، ونكتشف أن الصراع ليس أقل استعارا بين الشعوب ذات المذهب الواحد، فننكشف أكثر في لعبة الصراع على مشيخة العشيرة المستمرة منذ قرون وحتى قبل أن يقول الشاعر حكمته التي وصفتنا بدقة "فلا توسط بيننا" لا قواسم مشتركة ولسنا مستعدين للتنازل، لأن كلا منا يمتلك الحكمة والخبرة والزعامة والقدرة والحنكة ويحتكر الحقيقة.
كان يجب أن يحدث هذا الاضطراب في الإقليم لنقف على حقيقتنا ولنعرف أننا جزء من أمة بعيدة عن الحضارة في ممارسة السياسة التي شرطها الأول الوسطية لا الحدية والتطرف، لنحل لغز الانقسام وألغاز الفشل في جولات حواراتنا الطويلة، وسجلنا الطويل من المعارك الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي عند ظهور الإسلام السياسي في فلسطين خارج الشراكة ومنافس على نمط الإرث العربي ليتوج معركته بخيبتنا الكبيرة 2007.
هل لنا أن نستفيد من عبرة الماضي ودرس التاريخ الدموي وننفض عن أنفسنا غبار الثقافة العربية في الحكم؟ يمكن ذلك إذا أدركت حركة فتح أن هناك تغيرات وانزياحات في النظام السياسي وعليها التعاطي معها، فقد انتهى زمن التسيد والحزب الواحد، وإذا توقفت حركة حماس عن ادعاء واحتكار الحقيقة المطلقة كحزب يمثل الله على الأرض، وخاصة بعد فشل تجربة الإسلام السياسي في المنطقة، وإذا ما أدرك اليسار أن الشراكة في النظام السياسي هي تتويج للقوة على الأرض ونتائج الصندوق وإذا كف المستقلون عن المزاحمة على النظام السياسي مستغلين حالته المرضية، فيطلون مدعين اختصاصهم في الطب الوطني ولديهم وصفات العلاج، فالنظام السياسي هو تجمع للأحزاب وليس للأفراد، وقد يستعين بأفراد الاختصاص دون أن يعرض أحد نفسه بابتذال.
الحل أن تدرك كل عناصر النظام السياسي أن للجميع الحق في ممارسة السياسة وتمثيل جمهوره، وأن لعبة الإقصاء التي كانت وما زالت المنطقة العربية ملعبها الأكبر لم تفض إلى نتائج ولم تحل أزمات الدول، بل زادت من تعقيداتها وكانت كلفتها عالية جدا، وعلينا النظر أبعد من المنطقة العربية لنقرأ تاريخ العرب بعد أن جرت مياه ودماء كبيرة في أنهار النيل والفرات والعاصي واليرموك والليطاني. إن دماء قبلها سكبت في أنهار العالم حين كانوا مثلنا تحكمهم قوانين القبائل في الصراع على زعامتها وطحنتهم الحروب الأهلية، لكن تجربة التاريخ قالت إن الحل الوحيد فقط هو بالشراكة، وإن الحكم هو صندوق الانتخاب، فهل سيكون هذا العام هو عام الشراكة الوطنية كما يحلم كل الفلسطينيين التواقين لنظام سياسي قادر على حمل همومهم الكثيرة، وليس لنظام يأكل نفسه... "لدي حلم" كما قال ذلك المواطن الأسود مارتن لوثر كينغ..!
[email protected]

 
×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط