مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

لا مانديلّا لدينا ولا دوكليرك

لا مانديلّا لدينا ولا دوكليرك

تاريخ النشر: 2023-07-30 | 09:44

تتقدّم إسرائيل، من نفسها ومن العالم، في صورتين مختلفتين:

من جهة، هناك دولة احتلال واستيطان، عاصية على القانون الدوليّ، ومتفلّتة من إملاءاته. هذه الصورة تُمارَس يوميّاً وعلى غير صعيد، وتحمل كثيرين ممّن كانوا يتعاطفون معها في العالم على الانفضاض عنها أو تدفعهم إلى مساءلة تعاطفهم.

وهناك، من جهة أخرى، إسرائيل التي يتظاهر مئات الآلاف من سكّانها، ومنذ ثلاثين أسبوعاً من غير توقّف أو تعب، دفاعاً عن صلاحيّات المحكمة العليا حيال السلطة التنفيذيّة. هؤلاء يخوضون معركة الديمقراطيّة في مواجهة الحدّ الشعبويّ منها والقضم الزعاماتيّ لها.

وإذا كان من غير المألوف لبلد، في يومنا هذا، أن يحتلّ ويمارس الاستيطان، فمن غير المألوف، أقلّه في الشرق الأوسط، أن يتظاهر مئات الآلاف من شعب ما دفاعاً عن المحكمة العليا. إنّها، للأسف، قضيّة غير شعبيّة بتاتاً في سائر بلداننا.

جمع هاتين السِمتين معاً يضعنا أمام ما يمكن أن نسمّيه ديمقراطيّة قديمة، أو ديمقراطيّة كولونياليّة. هنا، في هذه التجربة، تُعاش السياسة وتُمارَس على نحو متقدّم في داخلٍ وطنيّ ما، أمّا من يخرج عن هذا الداخل ومن لا ينتمي إليه فغريبٌ وآخر. والآخر هذا هو تعريفاً أدنى وأقلّ استحقاقاً، بل ربّما عُدّ، وفق لغة الأثينيّين القدامى، من «البرابرة».

وإذا كانت جنوب أفريقيا، إبّان التمييز العنصريّ، هي المثل الفجّ عن هذا النموذج، فقد سبق لبلد كميانمار أن قدّم مثلاً آخر: فهناك قاتلت أونغ سان سو كي دفاعاً عن الديمقراطيّة والحكم المدنيّ في مواجهة العسكر، وكان لقتالها هذا، بما فيه من تعرّض مديد للسجن وللاضطهاد، أن حوّلها أيقونة ديمقراطيّة على نطاق عالميّ. هكذا، مثلاً، نالت جائزة نوبل للسلام في 1991 وتحوّلت موضوعاً لاحتفال كونيّ لا ينقطع. لكنْ حين سقط الحكم العسكريّ وباتت هي الحاكم الفعليّ الأوّل، رأيناها تشرف على مذبحة بحقّ مسلمي الروهينغيا في بلدها. وكان لتواطؤها مع الجنرالات في تنفيذ الجريمة الجماعيّة، ثمّ توفيرها الغطاء للجريمة تلك، أن ألغى حاجة العسكر إليها وإلى الغطاء الديمقراطيّ. وبالنتيجة، أطاحها الجنرالات الذين انقلبوا على السلطة في 2021، على رغم أنّ حزبها كان، قبل أشهر فقط، قد فاز في الانتخابات العامّة.

بمعنى آخر، لا تستطيع الديمقراطيّة، وقد باتت قيمة كونيّة، أن تكون ديمقراطيّة «هنا» وأن تكون احتلالاً «هناك»، لأنّ فصلاً حادّاً كهذا ما بين داخل وخارج لا يلبث أن يتمدّد ويغدو فصلاً داخل الـ«هنا» نفسها. إنّ ذلك وصفةٌ ناجعة للقضاء على الديمقراطيّة والسياسة.

والحال أنّ سلوكاً كهذا إنّما يخالف المسار التاريخيّ المعروف. ذاك أنّ الديمقراطيّة الحديثة إنّما ولدت أصلاً في البلدان الاستعماريّة، ثمّ تطوّرت وصار من مواصفاتها الجوهريّة نزع الاستعمار ومناهضته. وكانت المعركة هذه قد حُسمت في فرنسا مع نيل الجزائر استقلالها. فحينذاك تبدّى بوضوح أنّ استمرار الاحتلال لن يسقط الديمقراطيّة الفرنسيّة فحسب، بل يهدّد بنشوب حرب أهليّة بين الفرنسيّين ذاتهم.

واحتمال انتكاس الديمقراطيّة إلى زمن سابق بارحتْه وتجاوزتْه يجد اليوم ما يعزّزه في الصعود الشعبويّ الذي يقوده قادة قوميّون، قادةٌ ولاؤهم للقوميّة ولدورهم الزعاميّ أكبر كثيراً من ولائهم للديمقراطيّة.

أمّا بالعودة إلى إسرائيل وديمقراطيّتها الناقصة، المهدّدة اليوم، فسوف يكون من الصعب توهّم الخلاص مع استئناف السير على الدرب نفسه. وبالمعنى هذا سيكون ممّا لا مهرب منه المزاوجة بين الدفاع عن صلاحيّات المحكمة العليا والتصدّي للاحتلال والاستيطان. وهي المهمّة التي سيكون في وسع الفلسطينيّين استكمالها إذا شاؤوا، بإبدائهم اكتراثاً أكبر ومساهمة أعلى في الحدث الإسرائيليّ المفصليّ. ذاك أنّ معسكر الديمقراطيّة في الدولة العبريّة، ولو كانت ديمقراطيّته ناقصة، يتأثّر بالخارج وضغوطه، كما تمكن مخاطبته بالاستناد إلى قيم جامعة وقابلة للتطوير، وهذا ناهيك عن كون المعسكر المذكور الطرفَ المتضرّر على نحو مباشر من أيّ انهيار ديمقراطيّ. أمّا معسكر الدينيّين والقوميّين، الملتفّ حول بنيامين نتانياهو، فلا يحمل إلاّ الموقف المغلق والعداء المحض لسواه.

في المقابل، وبعيداً من المبالغات الورديّة لإيران ولفصائلها الفلسطينيّة واللبنانيّة، ليس الوضع الأهليّ للفلسطينيّين بمُشجّع على افتراض أنّ الانهيار الإسرائيليّ قوّة لهم، ممّا يردّده كثيرون عندنا. بل ربّما شكّل انهيار كهذا مدخلاً إلى انهيار فلسطينيّ آخر يضاف إلى مسلسل الانهيارات، لا سيّما أنّ السلطة الفلسطينيّة، بفعل جهودها معطوفة على جهود خصومها، عاجزة عن إحداث أيّ تأثير إيجابيّ ملموس. أمّا المنطقة العربيّة المحيطة بفلسطين وإسرائيل فتعيش بدورها ذروة غير مسبوقة في التفتّت الذي يتمدّد من لبنان وسوريّا إلى العراق وبالعكس.

وهي، في النهاية، مسؤوليّة أطراف كثيرة لا يجمع الحبّ بينها، لكنّ المصلحة يمكن أن تجمع، وينبغي أن تجمع. هذا هو الدرس الذي استنتجه، في جنوب أفريقيا، كلٌّ من مانديلّا ودوكليرك، وليس لدينا مَن يستنتج مثله.
عن الشرق الأوسط السعودية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط