مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

كير ستارمر ...  من التواطؤ مع إبادة غزة إلى الانهيار السياسي المدوي

كير ستارمر ...  من التواطؤ مع إبادة غزة إلى الانهيار السياسي المدوي

تاريخ النشر: 2026-07-01 | 11:58

د. مهدي مبارك عبد الله
د. مهدي مبارك عبد الله

من المؤكد عمليا ان كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني المستقيل لم يسقط  بالمطلق بسبب ارتفاع معدلات التضخم او تفاقم أزمة السكن او تراجع الخدمات العامة وحدها بل انه سقط قبل ذلك بكثير منذ قرر أن يدير ظهره للحقيقة وأن يضع المصالح السياسية والتحالفات الضيقة فوق المبادئ والقواعد التي أوصلته إلى الحياة العامة كما انه سقط ايضا يوم اختار أن يقف إلى جانب القوة ضد العدالة وإلى جانب السلاح ضد الضحية وإلى جانب الحسابات الانتخابية ضد الضمير الإنساني ولذلك فإن قصة سقوطه ليست قصة فشل سياسي عادي بقدر ما هي قصة إفلاس أخلاقي كامل انتهى بانهيار مشروعه السياسي وانطفاء نجمه في وقت قياسي.

 

لقد بنى ستارمر صورته في داخل بريطانيا وخارجها على أنه رجل قانون ومدافع عن حقوق الإنسان وحارس لمبادئ العدالة الدولية والنزاهة الوطنية غير أن غزة جاءت لتجرد هذه الصورة من زينتها وتكشف هشاشتها أمام أول اختبار حقيقي حين كانت المستشفيات تقصف والأحياء السكنية تمحى من الوجود والأطفال ينتشلون من تحت الركام كان رئيس الوزراء البريطاني يواصل توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لدولة الاحتلال ويتجنب حتى استخدام اللغة التي تفرضها الوقائع والحقائق على الأرض حيث لم يكن عاجزاً عن رؤية ما يجري بل كان عاجزاً عن الاعتراف به.

 

المفارقة الكبيرة أن الرجل الذي كان يتحدث عن وجوب سيادة القانون الدولي والحقوق الانسانية في أوكرانيا وضرورة محاسبة مرتكبي جرائم الحرب في أماكن أخرى من العالم تحول فجأة إلى سياسي يبحث عن الأعذار والتبريرات عندما تعلق الأمر بغزة وهنا لم تكن المشكلة في ازدواجية المعايير فحسب بل في سقوط آخر الأقنعة التي حاولت السياسة الغربية الاختباء خلفها لعقود طويلة حين اكتشف ملايين البشر أن المبادئ التي طالما تباهى بها الغرب ليست ثابتة كما كان يدعي بل تخضع لحسابات القوة والمصالح والتحالفات.

 

وفق هذه الرؤية القاصرة والمبنية على الغرور والجهل ظن ستارمر أن غزة بعيدة جدا عن صناديق الاقتراع البريطانية وأن أصوات الضحايا لن تصل إلى شوارع واحياء لندن وأن الصور القادمة من القطاع المحاصر ستتلاشى مع الوقت كما تلاشت مآسٍ كثيرة قبلها لكنه لم يدرك أن جيلاً جديداً من البريطانيين كان يشاهد الوقائع مباشرة ويكوّن أحكامه بعيداً عن الروايات الرسمية والإعلام التقليدي وبهذا تحولت غزة من قضية خارجية إلى قضية داخلية هزت صورة الحكومة كاملة وأربكت حزب العمال وأشعلت غضباً أخلاقياً امتد من الجامعات إلى النقابات ومن الشوارع إلى البرلمان.

 

الحقيقة انه لم يكن غريباً أن تبدأ القواعد التقليدية لحزب العمال بالتمرد على سياسات ستارمر خاصة وان الحزب الذي تأسس تاريخياً على الدفاع عن المظلومين وجد نفسه متورطاً في الدفاع عن سياسات تتهمها منظمات دولية وخبراء قانونيون بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وبينما كان مئات النواب والشخصيات العامة والحقوقيين يطالبون بمراجعة الموقف البريطاني كانت القيادة ماضية في إنكار الواقع إلى أن انفجرت الأزمة داخل الحزب نفسه.

 

المأساة الواضحة في تجربة ستارمر أنه لم يخسر بسبب خصومه بل بسبب نفسه فقد أمضى سنوات طويلة في مطاردة اليسار داخل حزب العمال وإقصاء معارضيه وتقديم أوراق اعتماده للنخب الاقتصادية والإعلامية معتقداً أن الطريق إلى السلطة يمر عبر رضا أصحاب النفوذ لا من خلال التمسك بالمبادئ وعندما وصل إلى السلطة اكتشف أن التخلص من الخصوم أسهل بكثير من بناء مشروع حكم ناجح وأن هدم الجسور مع القواعد الشعبية يترك السياسي وحيداً عند أول أزمة كبيرة.

 

لا شك بان سقوط ستارمر كان بمثابة استفتاء أخلاقي متأخر على حرب غزة بقدر ما كان استفتاءً على أدائه الحكومي والدراسات واستطلاعات الرأي أظهرت جليا أن موقفه من الحرب كان أحد أهم أسباب انهيار شعبيته وخسارته لقطاعات واسعة من الناخبين الذين شعروا بأن حزب العمال لم يعد يمثل القيم التي ادعى تمثيلها لعقود طويلة وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من ملف هامشي في السياسة البريطانية إلى عامل حاسم في رسم مستقبل أحد أكبر الأحزاب الأوروبية.

 

الأكثر قسوة في واقع ستارمر الحالي انه لم يخسر منصبه فقط بل خسر الرواية التي حاول أن يكتب بها تاريخه السياسي حيث أراد أن يتذكره البريطانيون بوصفه الرجل الذي أعاد حزب العمال إلى السلطة وإذا به يغادر وهو يحمل وصمة التواطؤ مع واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث كما أراد أن يقدم نفسه باعتباره نصير القانون الدولي فبات يواجه اتهامات متزايدة بالتخلي عنه عندما كان في أمس الحاجة إلى الدفاع عنه.

 

 غزة لم تكن يوما مجرد محطة عابرة في مسيرة ستارمر السياسية بل كانت محكمة أخلاقية مفتوحة انعقدت أمام العالم كله حيث سقطت المبررات واحداً تلو الآخر وانهارت معها الصورة التي حاول رسمها لنفسه بعدما تجاهل صرخات الأطفال تحت الأنقاض ونداءات المنظمات الحقوقية وغضب الشارع البريطاني بضميره الحي وظن أن السلطة قادرة على حمايته من عواقب اختياراته لكنه اكتشف متأخراً أن دماء الأبرياء تملك ذاكرة أطول من ذاكرة السياسيين وأن المظلوم قد يخسر معركته في الميدان لكنه ينتصر أحياناً في محكمة التاريخ.

 

هكذا غادر ستارمر داونينغ ستريت غير مأسوفا عليه مهزوماً سياسياً ومعزولاً أخلاقياً وربما تختلف بعض التفسيرات حول أسباب سقوطه وتتنوع القراءات بشأن إخفاقاته لكن حقيقة واحدة ستبقى عصية على الإنكار أن غزة كانت الجرح الذي لم يندمل في عهده وأن دماء أطفالها ظلت تطارد خطاباته وقراراته ومواقفه حتى انتهى به الأمر إلى السقوط والمعلوم بالتجارب ان التاريخ قد يتأخر في إنزال أحكامه لكنه لا ينسى وعندما يفتح سجل هذه المرحلة في المستقبل سيكون اسم ستارمر مكتوباً في الصفحة التي تروي كيف يمكن للسلطة أن تعمي البصيرة وكيف يمكن للتواطؤ مع المأساة أن يتحول إلى لعنة سياسية وأخلاقية تلاحق صاحبها حتى آخر الطريق.

 

انهيار ستارمر السريع لم يكن حدثاً معزولاً عن السياق الأخلاقي الذي رافق حرب غزة بل جاء في لحظة أخذت فيها الشعوب الغربية نفسها تعيد مساءلة حكوماتها ومؤسساتها السياسية عن حجم التواطؤ الذي مارسته تجاه واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث حيث تحولت غزة من قضية خارجية بعيدة إلى اختبار أخلاقي داخلي كشف حدود الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة وكلما ازداد عدد الضحايا واتسعت مشاهد الدمار والمجاعة، تراجعت قدرة السياسيين الداعمين لإسرائيل على تبرير مواقفهم أمام الرأي العام، وأصبح الثمن السياسي لهذا الانحياز أكثر كلفة يوماً بعد يوم.

 

اللافت في كل هذا ان ستارمر ظن كما ظن غيره من الساسة الغربيين أن بإمكانه الفصل بين السياسة والأخلاق وأن الحسابات الانتخابية وضغوط جماعات النفوذ قادرة على حمايته من تبعات مواقفه لكنه اكتشف متأخراً أن العالم تغير وأن الشعوب لم تعد تتلقى الروايات الرسمية بالصمت ذاته الذي كان سائداً في العقود الماضية وان وسائل الإعلام البديلة ومنصات التواصل وشهادات المنظمات الحقوقية الدولية جعلت ملايين البشر شهوداً مباشرين على ما جرى في غزة كما حولت كل محاولة للتبرير أو الإنكار إلى عبء سياسي وأخلاقي على أصحابها ولهذا لم يكن سقوط ستارمر مجرد هزيمة لرئيس وزراء بل إدانة شعبية متأخرة لمسار كامل من الانحياز والتواطؤ والصمت .

 

  يمكننا القول ونحن نتابع خلع كير ستارمر المشهد السياسي وهو مثقل بما هو أكبر من الفشل الحكومي أو الخسارة الحزبية أو التراجع الانتخابي حيث يغادر وهو يحمل على كتفيه إرثاً كبيرا من الأسئلة الأخلاقية التي ستظل تطارده كلما ذُكرت غزة او استعيدت صور الأطفال الذين قضوا تحت الأنقاض أو ماتوا جوعاً وحصاراً وقهراً لقد اخطأ ستامر حساباته حين اعتقد أن السلطة قادرة على حجب الحقيقة وأن النفوذ قادر على إسكات الضمير وأن الحسابات السياسية قادرة على محو آثار الدماء لكن لم يفكر لحظة في ان لعنة غزة كانت أقوى من كل ذلك ودماء الأطفال التي استهان بها كثير من الساسة لم تتوقف عند حدود القطاع المحاصر والمقابر المجهولة بل عبرت البحار والقارات لتطارد المتواطئين معها في عواصمهم ومناصبهم وسمعتهم السياسية

 

ختاما : ربما يكون في سقوط ستارمر تذكيراً قاسياً لمن لا زال يسير على نهجه و خطاه بأن التاريخ قد يتأخر في إصدار أحكامه لكنه لا ينساها وأن الشعوب قد تصبر على الأخطاء لكنها لا تغفر بسهولة التواطؤ مع المذابح لقد خرج الرجل من داونينغ ستريت كما خرج كثير من الساسة المهزومين يجرون اذال الخيبة والفشل لكن الفرق أن هزيمته لم تكن سياسية فحسب بل كانت هزيمة أخلاقية كاملة ستبقى مرتبطة باسمه كلما ذُكرت غزة واطفالها وضخاياها ودمارها وذُكرت معها واحدة من أكثر صفحات القرن الحادي والعشرين دموية وإيلاماً وخزيا وعارا .

×
أخبار
الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط