مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

كورونا والوحش: حين يتبرع القاتل بجريمته لضحيته !

كورونا والوحش: حين يتبرع القاتل بجريمته لضحيته !

تاريخ النشر: 2020-04-27 | 06:50

لم تنتهِ حروب الإخوة الأعداء في لبنان ، و لا ميليشيات المجازرفي المخيمات، ولا نعرات الهيموفيليين الجدد من أصحاب الدم النّيلي ، الذين يخزنون بصماتهم الدموية في بنك الموتى ، كما يحتفظون برتبهم العسكرية و حروبهم المنتهية الصلاحية  وجرائمهم العنصرية ، بلا محاكمة ولا توبة ، حتى بعد مرور أكثر من ربع قرن على الحرب اللبنانية ،التي يعيدون تدوير مخلفاتها في لعبة كراسي مستطرقة ، لها مصرفها الصحافي الذي يتبرع بجريمته لضحيته ، عبر وسيط كاريكاتور يقارن الضحية الملثمة  بتاجية كوفيد19، فأهلا أهلا ! أتى زمن على هذه الغابة ، يغير فيها الفيروس معادلة القصاص و شريعة الغيلان ، ليلتقط القاتل قبل القتيل ، و السجان قبل السجين ، والمجرم قبل الضحية ، والميليشياتي قبل المواطن ، والحرامي قبل المنصوب عليه ، والخائن قبل المغدور ، والرأس قبل القطيع ، فماذا بعد يا أولاد كورونا !

* * *

يسأل الغزاة الفلسطينيين : كيف احتملتم حصارنا ؟ كيف لم يضق حريتكم بسجوننا ؟ أيها الفلسطيني ، حين يُحَيّرُ صبرُك عدوَّك ، تأكّدْ أنَّه شجاعتُك و أن ضعف عدوك حيرته ، كيف لا وعزلة الفلسطيني مراسه المحنك  ، و تجربته النضالية ،  التي يحاول  إنسان العصر الرقمي تقمصها في حين يختبئ جبابرته من فيروس ، يا لهشاشة زيفهم ، الذي فضحه استتاره ، أكثر مما عراه الميكروب ، ولكن ، كيف استطاع كوفيد 19 أن يوحد البشرية على التباعد الاجتماعي بين البشر ؟ في حقيقة الحال : كورونا مرآة لامرئية ،تجري تبادلا وظيفيا و ظرفيا بين الفيروس والسجان وبين السجين والسجان ، كيف ؟ كورونا تزج بقطيع الحراسة في زنازين يسيجها الخوف ، و تهدد أمنها فكرة المرض ،  بينما يعيش الاسرى في سجون الاحتلال واقعا مرضيا مريرا ، بين انعدام العلاج ، كأسلوب من أساليب التعذيب والاضطهاد – ما ينافي كل  المعايير الدولية والأخلاقية والقانونية بالتعامل مع الأسرى – وبين التباطؤ المتعمد ،  للاستجابة لنداءات الاستغاثة ، حين يتعلق الأمر بحالة طارئة ، أو بتفاقم أزمة مرضية ، أو بأن يتعرض الأسرى والأسيرات إلى ألم في الأسنان او نزيف حاد ، أو حالات إغماء جدية ، عداك عن الشح بالطعام الصحي الذي يحتوي على فيتامينات تقوي من مناعة الأسير و تزوده بطاقة تمكنه من مقاومة -أو حتى احتمال الألم ، أضف إلى هذا عدم الانتظام بالعلاج ، والاكتفاء أحيانا بجرعات متقطعة ومتباعدة من مسكنات الوجع ، بما لا يغني ولا يسمن من أنين ، أضف إلى هذا كله ، عمليات بدون بنج ، أقراص غامضة تُعطى للمرضى أحيانا  ، استئصال أعضاء من دون تقرير طبي يوضح أسباب هذه الإجراءات الغامضة . وحين يطلب المرضى المساعدة من فرق الصليب الأحمر ، يواجهون صعوبات من نوع آخر ، تتعلق ببطء الإجراءات ، والاكتفاء بما قل ، حتى أن كثيرا من المرضى يتم حجزهم ، ورفض علاجهم أو إطلاق سراحهم للسماح لهم بتلقي عناية طبية في مستشفيات أكثر إنسانية من مستشفى سجن الرملة ، الذي يطلق عليه الأسرى : عيادة الموت ! العامل النفسي والعاطفي يلعب دورا أقذر في تعريض المرض لخطر الوفاة ، فمنع الزيارات ، و المعاملة السيئة من الممرضات والأطباء ، التهديدات اللامبررة ، الشتائم ، السخرية – خاصة من المقعدين – رفض تلبية طلبات المرضى الملحة والاضطرارية ، الإهمال ، البيئة الغير صحية ، كل هذا وقد يصل الأسير المريض إلى مرحلة ، يطلب فيها فقط الموت بين أهله ، ولن يسمح له ، فأي احتمال ، بل سل أي احتلال !

 

* * *

تظل العزلة رصيدا احتياطيا للأسير ، في زمن يتحول به كوفيد 19 من مسخ ميكروبي إلى وحش فرانكشتاين ، ولكن  ما هي المواصفات العزلوية لكورونا ، وما هو الفرق بين العزلة الوقائية و العزلة المقاومة ؟ السجن عادة ليس محمية بشرية ، بقدر ما هو عقاب إصلاحي ، أوإشراط إجرائي لتغيير سلوك من تتم معاقبتهم ، وهو ما فشل فيه السجان الصهيوني ، لأن البطل ليس كائنا مازوشيا ، إنه صاحب قضية وحق ، لا يمكن للإجراء العقابي أن يشوه مساره السلوكي ورسالته النضالية، وأية استجابة للعزلة بهذا المفهوم ، تعني الاستسلام والتخلي عن أخلاقيات الشجاعة ، و قيم الصمود ، خاصة حين يقلب الأسير السحر على الساحر ، محولا عزلته إلى ثكنة مقاومة ، وسجنه إلى معسكر تجنيد ، و وزنزانته إلى حقل تواصلي مع الرفاق . بينما لا يحتمل السجان الحجر الصحي ، حتى وإن كان وقائيا ،فاختبار الحرية بالصحة يهشم غطرسته ، ويساويه ليس فقط بسجنائه ، إنما بالفيروس على اعتباره سجانه الذي يضعه وجها لوجه مع حصاره وأدواته القمعية ، مع عدوه الذي يشبهه ، ومرآته : وجه كوفيد 19 ، فكيف يختبئ القاتل من القتيل ، وكيف يتنكر الفيروس بكاريكاتور العميل ؟

 

* * *

هل يكفي السجانَ بعد كل هذا ممارسة السجن الوقائي جماعيا  ، أو التزام بيته كزنزانة انفرادية ؟ بالنسبة إليه القهر الحقيقي ليس الظرف القهري ، بل الوظيفة الفيروسية للسجان ، الذي لا يجرؤ على اختراق المنظومة الوقائية والرقابية ،بجنحة تمرد ، أو خيانة صحية ، و شوف ما أجملها حكمة الوباء ! البيت لن يكفي السجان ، لكي يُعلي من قيمة الحجر الصحي في نظره ، لأن البيت لن يعني العائلة بحميميتها المعتادة بقدر ما يعني العبء الوبائي الذي يكدر مزاج السجان ، أكثر مما تفعل السجون التي يقبع على بابها كخازن الجحيم ، ولك أن تتخيل ماذا يفعل الأسير الفلسطيني لو منحته بيته خلال عزلته ؟  لكان اكتفى به عن الدنيا بأسرها ، لأن بيته هو حريته ، جنة بعشرة أمثال عزلته ، هذه هي فلسفته ، هذه حكمته ، وهذه هي بطولته !  زنزانة الفلسطيني نُواةٌ حاضِنَةٌ ، وبيْتُهُ حِضْنٌ ، مشرع على قيم الضيافة ، والإيواء ، والتلاحم الوطني والاجتماعي ، وحرمانه من حضنه لا يثنيه عن حنينه الإيثاكي وحلمه اليوسفي . حسنا إذن ، عزلة الأسير الفلسطيني ستذكره ببطولته ، أما عزلة السجان فتذكره بخوفه من حريته ، وهذه ليست مفاضلة ، إنما هي لعبة مرايا ، ينتصر فيها الأسير المحروم من كل وسائل التسلية ، و التواصل ، والزيارات ، و العلاج و الطعام الصحي والنظيف ، فيضاعف شوقه  لكل ما هو محروم منه،استلذاذه بمتعة الحرية في ظل منعها ، بدهشتها لا شدتها ،  بفروسيتها لا افتراسها ، ببطولتها لا هروبها ، بينما ينهزم السجان ، الذي يجلس في بيته مع أهله يتناول مالذ وطاب ، يستخدم كل ما يمكنه من وسائل تكنولوجية وترفيهية لا تعد ولا تحصى ، كأنه في عطلة استجمام ، أو اعتزال باذخ، تتبعه حرية أشبه ما تكون برصاصة مكتومة ، حرية خائفة ، مريضة ، محاصرة من الميكروب ، حرية هشة ، كروشتة عقاقير بلا بطولة ولا انتصار !

 

* * *

إن كانت عزلة الأسرى الفلسطينيين تهزم السجان إلى هذا الحد ، فلك أن تتخيل إذن ما الذي ستفعله به حريتهم ، الفلسطيني بكل حالاته هو الخطر الحقيقي على عدوه ، وعزلته حين تكون مقاومته ، هي حظه الفاروقي ، وهي محرابه ،وأجره ، و كبرياؤه وكهفه ، فضيلته وصومعته ، فإن كان رد الحجر الصحي للعزلة قيمتها ، فإن الفيروس أظهر الحجم الحقيقي للسجان ! كان " بوثيوس الروماني " ، ضابطا قضائيا ، وقنصلا ،  حوله تمرده على الطاغية إلى أعظم أسير في القرون الوسطى ، كتب أطروحته الفلسفية في منفاه ، تحدث فيها عن صعود وسقوط الإنسان ، ليطيح بالسجان ، إلى الأبد وقد شكلت كلاسيكيته " عزاء الفلسفة " وسيطة فكرية بين العصور ، على طريقة أحرار السجون، بينما يظل السجان عازلا فيروسيا ، على طريقة نُسّاك ما بعد الحداثة ، أو ما يطلق عليهم اليابانيون : HIKIKOMORI  ، الذين يحرسون وحدتهم، بقرار إرادي تعسفي ، يسبب خللا في الأداء العزلوي للحرية ، ولهذا ترى الفيروس والسجان والكاريكاتور ، أضلاعا لمثلث واحد هو : الجريمة ، حقيقة يشبه الأمر عروض المزاد ، بحيث يعرض كل طرف جريمته على الآخر ، فمن يشتري وبضاعة القاتل : جثته !

 

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط