مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

كأس إفريقيا في المغرب: حين تتحول الكرة إلى صراع سرديات

كأس إفريقيا في المغرب: حين تتحول الكرة إلى صراع سرديات

تاريخ النشر: 2026-01-26 | 21:02

لم تكن بطولة كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب مجرد منافسة رياضية تُختزل في نتائج المباريات أو في لقب يُتوج به منتخب دون آخر، بل كانت حدثا كاشفا لمسار أعمق، ومناسبة أعادت طرح أسئلة تتجاوز كرة القدم نحو الوعي الجماعي، وطبيعة الصراعات المعاصرة، وحدود السرديات السائدة. لقد مثّلت هذه البطولة اختبارا ذهنيًا ونفسيا بقدر ما كانت اختبارا كرويا، وفضحت هشاشة المقاربات التي تقرأ الأحداث الكبرى بمنطق لحظي منفصل عن سياقها التاريخي والسياسي.

فالتركيز على من فاز ومن خسر وحده يُفقد الحدث معناه الحقيقي، لأن ما جرى لم يكن لحظة معزولة، بل حلقة ضمن مسار طويل من التراكمات. وقد أثبتت هذه التجربة أن الدول لا تُقاس مكانتها فقط بما تحققه داخل الملعب، بل بما تنتجه خارجه من وعي، ومن إعادة ترتيب للتمثلات الجماعية، ومن مكاسب رمزية ومعرفية تبقى آثارها راسخة بعد نهاية البطولة.

أبرز ما كشفت عنه هذه الكأس هو تحوّل واضح في إدراك شريحة واسعة من المغاربة لطبيعة العلاقات بين الدول والشعوب. فقد تراجع منسوب التعويل على الاعتراف الخارجي والخطابات العاطفية، مقابل صعود وعي أكثر واقعية، يضع المصلحة الوطنية في مركز التحليل، ويُدرك أن العالم لا يُدار بمنطق النوايا الحسنة، بل بمنطق القوة والتوازنات.

بهذا المعنى، أسهمت البطولة في تفكيك وهم التضامن التلقائي، وأغلقت باب ما يمكن وصفه بالتصور الرومانسي للعلاقات الدولية. فالأحداث بيّنت بوضوح أن الشعارات التي طالما قُدّمت باعتبارها تعبيرا عن الأخوّة والوحدة، ليست بالضرورة سوى أدوات تُستعمل ظرفيًا، وتُسحب عند أول تعارض مع المصالح الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، برزت أيضا ظاهرة "تفسير النجاح بالمؤامرة"، التي تسللت إلى الخطاب اليومي عبر مصطلحات وافدة من بيئات عدائية، وتم تطبيعها تدريجيا حتى أصبحت ذريعة جاهزة لتبخيس أي إنجاز. هذا المنطق، القائم على الشك الدائم في الذات، يغذي شعورا بالعجز، ويحوّل العمل المنظم والتخطيط طويل الأمد إلى مجرد نتيجة لتلاعب خفي. غير أن ما أظهرته البطولة هو أن التفوق الحقيقي، حين يكون نتاج استثمار واستمرارية، لا يحتاج إلى روايات تبريرية.

أما على مستوى الحملات المصاحبة، فقد اتضح أن ما جرى لم يكن ردود فعل عفوية، بل خطابا متعدد الطبقات. فبالتوازي مع اتهامات صريحة وتشكيك فجّ في التنظيم والنزاهة، صدرت مواقف أخرى أكثر هدوءا، تشيد بالنجاح وتستخدم لغة دبلوماسية محسوبة. هذا التوزيع في الأدوار خلق تشويشًا متعمدا، يوحي بأن الحقيقة ضبابية، وأن الواقع لا يمكن الإمساك به بوضوح.

وقد انعكس هذا الأسلوب بشكل مباشر على المنتخب الوطني، الذي وجد نفسه في قلب حرب نفسية ممنهجة. لم يكن الهدف إضعافه فنيا بقدر ما كان استنزافه ذهنيا، عبر ضرب ثقته في نفسه، وفي محيطه، وفي عدالة المنافسة. فزرع الشك يُعدّ من أنجع وسائل الهزيمة غير المباشرة.

وتواصل هذا الضغط حتى بعد نهاية المباريات، حيث لجأ المنتخب السنغالي، بقيادة مدربه، إلى ممارسات افتقرت للروح الرياضية، تمثلت في تصريحات مستفزة، وضغوط متواصلة على الحكام، ومحاولات لنقل الصراع من ملعب كرة القدم إلى فضاء نفسي متوتر. وقد تزامن ذلك مع سلوكيات غير مسؤولة من بعض الجماهير، كادت أن تجرّ الأجواء إلى الفوضى، لولا التدخل الصارم والمهني للأجهزة الأمنية المغربية.

في المقابل، أصبح واضحًا للرأي العام المغربي وجود حملات رقمية منسقة، تعتمد على حسابات وهمية، وانتحال للهويات، وخطابات وطنية مزيفة، هدفها التشويش على النقاش العام، وبث الإحباط، وتقويض الثقة الجماعية. هذه الحملات لم تكن عشوائية، بل استندت إلى تقنيات تضليل معروفة تقوم على التكرار الكثيف، وتعدد المصادر، وتسريع وتيرة الأخبار الزائفة حتى يصبح تفنيدها مرهقا.

ومن الخطأ التقليل من خطورة هذا النوع من الممارسات، لأنها تستهدف الإدراك قبل الموقف. لذلك، برزت الحاجة إلى وعي جماعي قائم على التحقق، وربط الأخبار بسياقها، وعدم الانخراط في إعادة إنتاج الخطاب المسموم، وبناء ما يمكن تسميته بمناعة معرفية تحصّن المجتمع من الاستلاب.

وسط هذا المشهد المعقد، شكّل الجمهور المغربي أحد أبرز عناصر القوة. فقد حضر بكثافة، لكن دون افتعال أو استجداء، معبّرا عن انتماء راسخ لا عن حماسة ظرفية. كان حضورا واعيا ومنضبطا، يعكس عمق العلاقة بين المجتمع ورموزه، لا مجرد تفاعل لحظي مع حدث رياضي.

أما اللاعبون، فقد أبانوا عن روح قتالية عالية، وهم يدركون أن القميص الذي يرتدونه ليس مجرد زي رياضي، بل رمز تاريخي وثقافي. هذا التلاحم بين المدرجات وأرضية الملعب خلق طاقة رمزية عززت التماسك الداخلي، وكرّست شعورا جماعيا بالفخر والمسؤولية.

وعلى مستوى التنظيم، أكّد المغرب مرة أخرى قدرته على إدارة التظاهرات الكبرى بكفاءة، وهو ما عزز صورته كدولة موثوقة وقادرة. غير أن هذا النجاح، بدل أن يولّد الإعجاب فقط، أثار أيضا توترا وغيرة لدى أطراف تعاني اختلالات بنيوية، لأن التقدم المستقر غالبا ما يستفز من لم ينجح في تحقيقه.

وفي العمق، لا يمكن فصل كل ما جرى عن طبيعة المغرب نفسه: دولة ذات جذور تاريخية عميقة، حافظت على استمراريتها عبر القرون، وبنت هويتها بالتراكم لا بالقطيعة، ولم تكن يومًا كيانًا طارئًا أو هشا. هذا العمق التاريخي يفسر جزءا من المناعة التي ظهرت خلال هذه التجربة الكروية .

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط