مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

قلب يُدفن تسع مرات: الإبادة أمر طبيعي في عيون "إسرائيل"

قلب يُدفن تسع مرات: الإبادة أمر طبيعي في عيون "إسرائيل"

تاريخ النشر: 2025-05-29 | 04:20

حسن لافي
حسن لافي

من بين الركام، كانت تقف بثوب العمل الأبيض الملطّخ بالغبار، لا بالدم. لم تكن هناك حين سقط الصاروخ على بيتها، لكنها كانت الأقرب إلى الجحيم.

كانت تُنقذ أطفالاً لا تعرف أسماءهم في مجمع ناصر الطبي، بينما كانت أسماء أطفالها التسعة تُمحى من السجلات، تُطمر تحت الإسمنت المحطم، بلا وداع، بلا بكاء أخير. اسمها آلاء النجار.

أم. طبيبة. ناجية؟ لا أحد ينجو بعد أن يُدفن قلبه تسع مرات. هذه ليست قصة فردية.

بل هو مشهد متكرر لغزة، التي تُباد قطعة قطعة، إنساناً إنساناً. في غزة، لم يعد الفقد يُقاس بعدد الشهداء فقط، بل بمدى العجز عن الحداد.

كل صباح يحمل مأساة جديدة، وكل ليل يُطفئ ضوء بيت آخر. صار الحزن متراكماً فوق الحزن، حتى لم يعد أحد يملك وقتاً للبكاء. في كل بيت، حكاية موت جديدة، مختلفة التفاصيل، لكن متشابهة النتيجة: الإبادة.

السؤال الذي لا يفارقني، رغم أنني قضيت سنوات أدرس المجتمع الإسرائيلي من الداخل، هو:

كيف يمكن لمجتمع بشري، مهما كانت دوافعه السياسية أو مخاوفه الأمنية، أن يفعل هذا... من دون أن يرتجف؟

أي عقول تلك التي تبرر قصف أطفال نائمين؟ وأي قلوب تلك التي لا يزلزلها صراخ أمّ تحت الأنقاض؟

ما الذي يجعل شعباً بأكمله يمضي في حياته اليومية، بينما يُباد شعبٌ آخر أمامه على يديه؟

هل هي الأيديولوجيا؟ أم الدين؟ أم الخوف؟

أم أن التجريد الكامل للضحية من إنسانيتها قد نجح إلى حدّ لم يترك مجالاً لأي شعور سوى... اللا شيء؟

وردت الإجابة – أو على الأقل تفسير – في مقطع قصير للكاتب الإسرائيلي الشجاع جدعون ليفي، قال فيه إن هناك ثلاثة مبادئ أساسية تمكّن الإسرائيلي من العيش بسلام مع هذا الواقع الوحشي، من دون شعور بالذنب أو التفكك النفسي:

"نحن شعب الله المختار" – حين يصبح القتل فريضة دينية
منذ الصغر، يُلقّن الطفل الإسرائيلي أنه مختلف، أنه أعلى منزلة، أنه من نسل مقدّس.

باسم هذه الفكرة، يُعاد إنتاج استعمار قديم بثوب حديث: أرض الميعاد، الخلاص، التطهير.

ليس غريباً إذاً أن نسمع حاخامات يقولون إن قتل الفلسطينيين "مبارك"، وأنه "عمل يتقرب به الإنسان من الله".

القتل هنا ليس جريمة، بل هو تكليف سماوي.

لذا، حين تُسحق عائلة بأكملها تحت الأنقاض، لا تهتز القلوب، بل تطمئن: المهمة تمت.

"نحن الضحية الوحيدة" – حين يقتل المظلوم آلاف الأبرياء
الذاكرة الإسرائيلية معلّقة عند الهولوكوست، ومُجمّدة هناك.

لا شيء قبلها، ولا شيء بعدها.

كل فعل تقوم به إسرائيل اليوم هو "ردّ على الماضي"، وكل نقد يُوجَّه لها هو "لا سامية مستترة".

بهذا السرد، يصبح الفلسطيني دائماً المعتدي، حتى لو لم يكن يملك إلا صوته.

ويتحوّل القاتل إلى ضحية لا يمكن مساءلتها.

بهذا المنطق، تُقصف المدارس والمخيمات باسم الدفاع عن النفس.

فما يراه العالم ضحية، تراه "إسرائيل" تهديداً، وما تراه أمّ شهيد "صورة عمرها"، يراه الجندي الإسرائيلي "هدفاً مشروعاً".

"الفلسطيني ليس إنساناً" – حين يُمحى الآخر من الخريطة الأخلاقية
هذا هو المبدأ الأخطر، كما قال ليفي.

أن ترى الآخر – الفلسطيني – كائناً أقل من إنسان.

كأنه ليس شبيهاً لك، لا في الألم، ولا في الحب، ولا في الأمل.

لهذا، فإن تدمير المستشفيات، وحرق الأطفال، وقتل العائلات، لا يخلق أزمة ضمير، لأن الضحايا ليسوا "بشراً حقيقيين".

في الإعلام الإسرائيلي، لا ترى الأسماء، بل "أرقاماً" و"مسلحين مشتبهين".

وفي ثقافة "الجيش"، لا يُدرّب الجنود على التمييز بين طفل وراشد، بل بين "خطر" و"خطر أكبر".

60,000 شهيد، وأكثر من 70% منهم نساء وأطفال ومدنيون.

120,000 جريح، بينهم آلاف فقدوا أطرافهم إلى الأبد.

1.5 مليون نازح، هائمون بلا مأوى في أرض صغيرة محاصرة.

تدمير منهجي لأكثر من 70% من بنية غزة: منازل، جامعات، مستشفيات، دور عبادة.

حصار إنساني شامل يمنع الماء والدواء والغذاء.

أوامر بإخلاء غزة جنوباً، ثم قصف الجنوب كما قُصف الشمال.

هذه الممارسات ليست ارتجالاً عسكرياً، بل هندسة سياسية تهدف إلى:

تدمير البنية المجتمعية الفلسطينية.

إجبار السكان على الرحيل القسري (الترانسفير الناعم).

إعادة رسم الواقع الديموغرافي لغزة وفق مشروع استيطاني طويل الأمد.

استثمار المجاعة والدمار لفرض ترتيبات إقليمية جديدة تحت عنوان "حل إنساني"، تُدار فيه غزة من الخارج، وتُدفن فيه القضية إلى الأبد.

في كل بيت في غزة مرارة، وفي كل ركن قبر، وفي كل خيمة قصّة انتظار لجثة أو خبر.

ومع كل هذا، يبقى السؤال معلّقاً في الهواء:

هل هؤلاء الذين يفعلون هذا بنا... ما زالوا بشراً؟

أم أن البشريّة فيهم ذُبحت، كما ذُبحت عائلات بأكملها في غزة، تحت الركام؟

لكنّ الأخطر من هذا السؤال، هو صمت العالم الذي يراقب المجزرة، ثم يعود إلى مداولاته المعتادة.

حين يُمنح القتلة حصانة سياسية، يصبح القتل استراتيجية.

وحين يُنظَر إلى غزة كمشكلة أمنية لا ككارثة إنسانية، تتحوّل الإبادة إلى سياسة غربية مشتركة، لا جريمة إسرائيلية فقط.

في غزة، لم نعد نطلب شيئاً من العالم.

فقد فهمنا أن العدالة لا تأتي من فوق، بل تُنتزع من تحت الأنقاض.

لكننا نكتب، ونشهد، ونُسجل...

لأنه إن متنا اليوم، يجب على التاريخ أن يعرف من قتلنا، ولماذا لم يرتجف.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط