مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

قضيّة منال عاصي : لا "شرف" لقاتل

الغيرة الزوجية، بكل ما يمكن أن يعلق فيها من ظنون وانفعالات، العنف الزوجي،
الذكورية، ثقافة «الشرف» المسقطة جهلاً على ما لا شرف فيه، الخوف على العائلة وعدم القدرة على رفع الظلم، مفهوم «السترة» والصمت و... كل ذلك قتل منال عاصي. القرار الظني الصادر أخيراً، يلخص القضية، بانتظار الحكم النهائي. منال، ومن سبقها ومن يلحق بها، قتيلات «شرف» لا يزال البعض يراه حصراً بين فخذي امرأة. إليكم القصة.
أقل من شهرين على مقتل منال عاصي، على يد زوجها، ويصدر القرار الظني في القضية. ما كان هناك من داع للإطالة، أصلاً، في ظل اعترافات الزوج في مختلف مراحل التحقيق، فضلاً عن الأدلة والقرائن الواضحة، وذلك بحسب ما نقلت مصادر قضائية لـ«الأخبار».

قيل الكثير في قضية عاصي، الزوجة المعنّفة على مدى سنوات، المقتولة لاحقاً، على مرأى من أهلها... وصمتهم (في البداية). اختلطت الشائعات بالتحليلات والعواطف بين متناولي القضية، على غرار ما يحصل في الكثير من القضايا المشابهة، ليصدر أخيراً القرار الظني ويقطع «الشائعة» بالظن المؤيّد بوقائع، ليبقى الأمر رهن الحكم النهائي في محكمة الجنايات.
إليكم القصة الكاملة بحسب ما جاء في نص القرار الظني، الصادر قبل أيام، عن قاضي التحقيق في بيروت فؤاد مراد. بدأ كل شيء عندما فتحت د. ش. هاتف زوجها و. ح. قبل 3 سنوات. وجدت فيه، بحسب إفادتها، رسائل متبادلة بينه وبين منال عاصي، تضمنت عبارات مثل «Call me» (اتصل بي) و«اشتقتلك». واجهت زوجها بما قرأت، فنفى أي علاقة له بمنال، وأخبرها أنها «تتوهم». لم تقتنع، فأطلعت شقيقة زوجها على الأمر، وطلبت منها أن تخبر منال، لكونها صديقتها، أن تبتعد عن زوجها. عرف الزوج بالأمر، فهددها بالطلاق، وأصبح يغيب عن المنزل. نحن أمام «غيرة زوجية» ستؤدي، في مرحلة لاحقة، دوراً أساسياً في ما حصل. ذات مرّة، دعيت د. ش. إلى مناسبة اجتماعية من قبل عائلة زوجها، وكانت منال حاضرة، فلاحظت الأولى أن الثانية ترمق زوجها بنظراتها. كيف سيتعامل القضاء مع مشاعر كهذه، في مجتمع فيه الكثير من التعقيدات داخل العلاقات الزوجية، في تحديد ما هو منطقي منها وما هو عكس ذلك في منظومة العادات والأعراف هنا؟ القرار الظني بدا متفهماً لهذه الغيرة لكونها نابعة من «الخوف على العائلة»! سيظهر هذا لاحقاً، لناحية منع القاضي المحاكمة عن الزوجة المذكورة من تهمة «التحريض». تلك الزوجة تقول، في إفادتها، إن زوجها أخبرها ذات مرة أنه اشترى هاتفاً، وذلك لضرورة عمله، وأنه سيستفيد منه في خدمة «الواتس آب» (للدردشة والتواصل). كانت الزوجة تعرف رقم منال، فكانت تراقب حركة الأخيرة على «الواتس آب» (أونلاين) كما تراقب حركة هاتف زوجها. تبدو هنا كمن دخل في حالة هوس وشك مستمرين. كأن الأمر أصبح قضيتها وشغلها الشاغل. أخبرت زوجها بارتيابها لأنها تراه ومنال «أونلاين» في وقت واحد. كانت تلاحظ أن زوجها لا يقفل هاتفه إلا عند حضوره إلى المنزل، وأخيراً طلبت منه الابتعاد عنها، على نحو واضح وصريح، فما كان منه إلا أن هددها بـ«رميها في الشارع».
ظلت «الغيرة» تعتمر في نفسها، ومرّت مدة طويلة، قبل أن تقرر في إحدى الليالي أن تستغل خلود زوجها إلى النوم، فتفتح هاتفه مجدداً، لتجد هذه المرة «عبارات عاطفية وجنسية». لم يورد القرار الظني حرفية هذه العبارات (موجودة في التحقيق الأولي). بدت الزوجة هنا كمن فقدت السيطرة على أعصابها، فقررت الاتصال بزوج منال، وإخباره بحقيقة الأمر. كانت مترددة، وهذا ما تظهره إفادتها، إضافة إلى إفادة زوج منال أيضاً في التحقيقات، إذ أجرت «ميسد كول» فقط، قبل أن يعاود هو الاتصال، لكنها لم تجب. عاودت الـ«ميسد كول» مرّة ثانية، فعاود هو الاتصال أيضاً، وهذه المرة أجابت. قالت له: «روح ضب مرتك لأنها على علاقة بزوجي، وأنا مهددة بالطلاق، فزوجتك تخرب بيتي». أخبرته أنها اتصلت بزوجته عدة مرات سابقاً، لردعها، لكن من دون جدوى. عاد واتصل بها بعد نحو ساعة، وأخبرها أنه عرف من يكون زوجها، وأنه «ضرب زوجته». في إفادة د. ش. تقول إنها «لم تطلب منه ضرب زوجته، أو قتلها، بل كانت فقط ترمي إلى الحفاظ على عائلتها وعدم تشتتها، وأن زوجها كان يخرج من المنزل ويغيب من العاشرة ليلاً ويعود عند الثانية فجراً، بحجّة صيد السمك من دون أن يجلب معه أي سمكة». تنتهي هنا إفادة الزوجة، ونأتي إلى إفادات زوج منال، المتهم بالقتل، الذي طلب له قاضي التحقيق العقوبة المنصوص عليها في المادة 549 من قانون العقوبات، التي تصل إلى حد «الإعدام».
يكرر زوج منال، محمد النحيلي (40 عاماً)، ما قالته د. ش. عن الاتصال الذي دار بينه وبينها، مع إضافة أنها أخبرته بعلاقة زوجها بزوجته منذ نحو 5 سنوات. يقول النحيلي إنه، بعد الاتصال، ذهب إلى المنزل، فوجد منال تستعمل الـ«واتس آب». طلب منها إعطاءه الهاتف، فرفضت، ولما أصرّ على أخذه أعطته إياه وفتحت له قفله. وجد صورة المدعو و. ح. زوج د. ش. وقرأ عبارات تواصل زوجته معه، ومنها «بونجور حبيبي، حياتي، اشتقتلك». فصفعها، ولما سألها إذا كان وسيم هو الشخص الذي تخونه معه، أجابته بأنها تحبه، وهو عشيقها، وأنها أقامت معه علاقة جنسية. يُشار هنا إلى أن هذه إفادة زوج منال، في التحقيق معه، لكن للأسف منال قُتلت على يده، وبالتالي يصعب اليوم التثبت من هذه الإفادة لأن المعنية بها ما عادت موجودة، ليبقى التثبت من هذه النقطة على عاتق الهيئة الاتهامية ولاحقاً محكمة الجنايات التي تبني حكمها على «اليقين». بالتأكيد، الحديث هنا يدور عن إثبات حيثية في القضية، لا عن مسوغ للقتل، أو حتى لالتماس عذر مخفف، إذ ألغيت من نصوص قانون العقوبات تلك المادة التي كانت تُشرعن ما يُسمى «جريمة الشرف». ألغيب تلك المادة، قبل نحو 3 سنوات من النصوص، لكن للأسف يبدو أنها لا تزال حاضرة في كثير من النفوس.
يقول النحيلي إنه «جن جنونه» وحصل تلاسن بينه وبين منال، وضربها وركلها على كل أنحاء جسدها. هنا ظهر «الوحش» الكامن داخل هذا «الذكر». تقرير الطبيب الشرعي ذكر أن منال تعرضت لضرب مبرح وعنيف جداً، قبل أن تفارق الحياة، على رأسها وجميع أنحاء جسدها في الجبين والعينين والخدين وجرح بعرض 7 سنتم في الفم، وجروح في الكتفين والرقبة والثديين والخاصرتين والمؤخرة وأصابع اليدين. تكسرت أسنانها، ووجدت حروق عند عنقها، نتيجة قذفها من قبل الزوج بطنجرة تحتوي على حبوب الفاصوليا ومياه ساخنة. سحبها من شعرها على الأرض، وسط بقع الدم المتناثرة في أرجاء المنزل. ولدى حضور والدة منال، بناءً على طلب الزوج، الذي اتصل بها لتأتي وتشاهد ما يفعل، ومعها أشقاء زوجته، ضربهم جميعاً ومنعهم من إغاثتها. وصل به الأمر، في مشهد غاية في الوحشية، أن امتص الدم من فم منال وبصقه في وجه والدتها. نهاية العنف والضرب، وكل هذا المشهد ما فوق الجنوني، أدى إلى نزف حاد في الدماغ أفضى إلى موت منال بعد نقلها إلى المستشفى.
بذل محامي عائلة عاصي، رائد حمدان، جهده في القضية، ليصدر قرار القاضي أخيراً. وفي متن القرار جاء أن الزوج (النحيلي) اعترف بما فعل، وأنه كان يتعرض لها بالضرب سابقاً، على فترات متباعدة. اللافت، بعد توقيفه، أنه تبيّن وجود العديد من مذكرات التوقيف في حقه، وذلك بجرائم مختلفة، منها: «السرقة والقتل ومحاولة القتل والإيذاء، القيام بأعمال إرهابية، إثارة النعرات المذهبية والتحريض على النزاع بين الطوائف وحيازة واستعمال الأسلحة». طلب له القاضي، في القرار الظني، العقوبة وفقاً للمادة 549 عقوبات، التي تنص على أنه: «يعاقب بالإعدام على القتل قصداً إذا ارتكب: 1 - عمداً. 2 - تمهيداً لجناية أو لجنحة، أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها، أو تسهيلاً لفرار المحرضين على تلك الجناية أو فاعليها أو المتدخلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب. 3- على أحد أصول المجرم أو فروعه. 4- في حالة إقدام المجرم على أعمال التعذيب أو الشراسة نحو الأشخاص».
كان لافتاً أن قاضي التحقيق قرر منع المحاكمة عن د. ش. (الزوجة) في جرم المادة 217 عقوبات (التحريض) لعدم توافر العناصر الجرمية، وبالتالي الافراج عنها فوراً في هذه الدعوى. وتنص المادة المذكورة على أنه: يعدّ محرضاً من حمل أو حاول أن يحمل شخصاً آخر بأي وسيلة كانت على ارتكاب جريمة. إن تبعة المحرض مستقلة عن تبعة المحرض على ارتكاب الجريمة». رأى القاضي أنه «بالعودة إلى وقائع ومعطيات الدعوى، فإنه لا يثبت أن المدّعى عليها د. ش. طلبت من النحيلي قتل زوجته عاصي، أو أنها أرادت خلق فكرة قتلها في ذهن الزوج». يُذكر أن زوجها أوقف بعد حصول الجريمة، لكن لم يدخل اسمه في القرار الظني هنا ضمن الادّعاء، لكنه أحيل آنذاك على «مكتب الآداب» في قوى الأمن الداخلي، وذلك في قضية «زنى» بعد حصول ادّعاء زوجي أمام القضاء.
صحيح أن قاضي التحقيق طلب الإعدام لمحمد النحيلي، قاتل زوجته، ولم يلحظ له أي عذر «مُحلّ» أو «مُخفف» وفقاً لما كانت تنص عليه المادة 562 من قانون العقوبات، التي ألغيت عام 2011 وكانت تتناول ما يُعرف بـ«جرائم الشرف». وصحيح أن الزوج، حتى بحالة المادة الملغاة، فإنه ما كان ليستفيد من العذر حتى، إذ «لم يُفاجئ زوجته في جرم الزنى المشهود»... بل فعل ما فعله بقرار واع، ولم يتعرّض لصدمة بالعيان، وبالتالي ما كان ليستفيد أيضاً من «العذر المخفف» في القانون، لكن، في المقابل، لا يعني هذا أن حكم الإعدام هو الحكم الذي سوف تقره محكمة الجنايات لاحقاً، بغض النظر عن الموقف من هذه العقوبة، إذ لا يزال قانون العقوبات ينص في إحدى مواده على التخفيف في جرائم القتل، وإن كانت تتحدث عن العموميات ولا تتناول المواضيع الزوجية والأسرية على نحو الخصوص. فالمادة 252 من القانون المذكور تنص على أنه «يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد، ناجم عن عمل غير محق، وعلى جانب من الخطورة أتاه المجنى عليه». هذه المادة يشكو منها بعض الحقوقيين، بعد إلغاء مادة «جرائم الشرف» سابقاً، لناحية إمكانية بعض القضاة الاستفادة منها في القضايا الزوجية والأسرية، رغم أنها تتحدث عن «الغضب» في مطلق الحالات. لهذا، فإنه إذا كان لدى بعض القضاة ذهنية «ذكورية» بنسبة ما، وأحب أحدهم التخفيف عن زوج أو أخ أو قريب في جريمة ارتكبها (من النوع المشار إليه)، فإنه سيلجأ إلى المادة المذكورة (التي هي محقة في الشكل، لكن يبقى الجوهر في صوابية الانتقاء بين حالة وأخرى). هذا يعني أن إلغاء النصوص، أو تعديلها، لا يلغي أصل المشكلة، التي تبقى أولاً، وقبل أي شيء آخر، نتيجة الثقافة والموروث الاجتماعي حيث يُبرر القتل باسم «الشرف»... بغض النظر عن الجدال في تحديد معنى هذا الشرف، أو الجهة المخوّلة تحديده.

عن الاخبار اللبنانية

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط