مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

قصّة نَظْمي فارس إبراهيم صدقة 1911–1993

قصّة نَظْمي فارس إبراهيم صدقة 1911–1993

تاريخ النشر: 2025-06-19 | 15:06

الخوف من السفر إلى يوم الغفران في نابلس

”من فضلك، اِسمح لي أن أبدأ القصة على الفور. من الأهمّيّة بمكان، تناول الموضوع دون مقدّمات، لأنّي مشغول بالتحضيرات لأيّام المغفرة والرحمة، عشرة أيّام المغفرة،  وهي تسعة أيّام التوبة، وعاشرها يوم الغفران العظيم. بالكاد نستريح من الصوم،  لنبدأ حالًا في تحضير المظلّة. وإن سمحت لي، هذا يذكّرني بتلك الأيّام البعيدة، أيّام صداقتي مع شقيقيّ المرحومَين ، البِكر إسحاق والصغير سرور، لتكن جنّة عدن مسكنهما، أيّام سُكنانا في تل أبيب يافا.

ما أقُصُّ عليك وما أقول؟ حياتُنا في يافا لم تكن سهلة. الحياة خارجَ نابلس كانت صعبةً لحدٍّ ما، ليس أقلَّ من صعوبة الحياة في نابلس ذاتها. بالكاد كنّا نستطيع توفير قوت يومنا. وكانت كلّ سفرة من يافا إلى نابلس بالنسبة لنا، تجربة لا تُنسى لوقت طويل. وكانت كلّ زيارة لنابلس قصيرة، بسبب التكاليف الباهظة هناك بالنسبة لنا، وضعنا الاقتصادي كان صعبًا جدًّا.

بالرغم من ذلك، حاولنا دائمًا زيارة نابلس في الأعياد وفي يوم الغُفران. أردنا دومًا تمضيةَ يوم الغفران مع أبناء طائفتنا في نابلس. ليس نحن فقط، بل جميع أبناء الطائفة الذين سكنوا خارجَ نابلس، رغِبوا بزيارة نابلس للاحتفال بيوم الغفران في الكنيس. كان لدينا شعور قويّ أن نكون معًا.

ما أقُصُّه عليك قد حدث في عشيّة يوم الغفران في العام 1942. جميع أبناء الطائفة المقيمين خارجَ نابلس سافروا من يافا في ساعة مبكّرة صباحا. ومن ضمنهم كان عمّي المرحوم، حسني إبراهيم صدقة، المعروف بالكُنية ”سيدو“. في ذلك الصباح، استفسر ”سيدو“، الذي اهتمّ بنا وساعدنا دائمًا في كل شأن، في ما إذا كان كلّ شيء عندنا، على ما يُرام بخصوص السفر إلى نابلس، لأنّه علِم بأنّه كان علينا عشيّة يوم الغفران العمل، وهذا كان صعبًا علينا ولم ننوِ أن نخسر يوم عمل.

عرفنا أنّنا في اليوم التالي لن نستطيع العمل بسبب صوم الغفران، ولم نُرد خسارةَ يومي عمل. طمئنّا ”سيدو“ وقلنا له لا داعيَ للقلق، إذ أنّنا سنُنهي العمل، أخي إسحاق وأنا، في ساعة مبكّرة من بعد الظهر، ورأسًا سنسافر إلى نابلس، برِفقة المسنّ يعقوب بن سمعان الدنفيّ الذي تأخّر أيضا.

اِصطحب  ”سيدو“ معه بقيّةَ العائلة، أخي إسحاق وأنا توجّهنا إلى العمل. عند منتصف النهار تقريبًا، استقللنا مع العم يعقوب سمعان الباصَ إلى نابلس. والباص من الطراز القديم، كان يمرّ بحيّ هتكڤه/الأمل  فقلقيلية حتّى نابلس.

الوقوع في ازدحام مروريّ

كنّا نستطيع الوصول إلى نابلس بحسب حساباتنا، ولكنّنا فوجئنا بما لم نحلُم به في أسوأ أحلامنا. ”علق“ الباص

 في وسط الجسر المؤدّي لحيّ هتكڤه بسبب ازدحام مروريّ خانق، لم ير أحدٌ منّا لا رأسه ولا ذيله. وهكذا ”علقنا“ وقتًا طويلا، بدأ الوقت ينفد.

بدأنا نتعرّق من شدّة التوتّر و”التعصبن“. بدأ عقرب الدقائق يعدو كالمجنون. اقتربت ساعة الصلاة ونحن ما زلنا عالقين في تل أبيب. تخيّلنا كيف يكون أقاربنا على عجلة من أمرهم لقلقهم بسبب تأخّرنا. اتّضح لنا بعد ذلك بأنّ ”سيدو“ تنقّل من مكان لآخرَ في نابلس كليث مُكبّل مستصعبًا تخمين سبب تأخّرنا لهذا الحدّ، وكذلك العمّة زينب أخته، أمّ النور، كانت منفعلةً جدّا. هم لم يتمكّنوا من إنقاذنا من رعب يوم الغفران العظيم الوشيك.

تمكّنتِ الحافلة أخيرًا منَ الخروج من الازدحام المروريّ. حسنًا، يمكنكم أن تتخيّلوا شكل الحافلة وكيف كانت تسير في عهد الانتداب البريطانيّ، في العام 1942. مرة أخرى، تأخّرنا في قلقيلية قليلا. الطريق لم يكن سالكًا بالمرّة؛ سافر الباص ببطء، وعند كلّ مطبّة صادفته كان قلبنا يقفز أيضا. في غُضون ذلك، حلّ المساء. عزمنا على الوصول إلى نابلس غير آبهين بما سيكون، وذلك فقط للتخفيف من الضغط الشديد الذي تحمّله بالتأكيد أقاربنا.

وصلنا نابلس في ساعة متأخّرة، في الحقيقة، في ليل يوم الغفران. بالرغم من الغضب والعار على الخطيئة التي اقترفناها، لم يُخفِ أقاربُنا فرحَهم برؤيتنا. تنفّس أبناء الطائفة الصُّعَداء، إنّهم علِموا أنّ ما حدث كان خارجَ إرادتنا.

هنالك وقفت منفعلةً زينب الثانية، أمّ راضي، شقيقة يعقوب سمعان الدنفيّ، لأنّ أخاها قد تأخّر لهذا الحدّ، وهي تفكّر بما ستفعل بكلّ الطعام الذي أعددتْه له. وقفنا هناك خائري القِوى، نرتجف لأنّنا دنّسنا ليلة الصوم. لم نأبه بما قاله أقاربنا من كلمات التهدئة والندامة.

لحسن حظّنا، كنّا في الطريق،  قد تناولنا قليلًا من الخبز العربيّ  (كماجة صغيرة/قرصة، پيته اليوم) والزيتون اللذين أعطانا إياهما العمّ يعقوب سمعان. لولا ذلك لانهرنا، لانعدام المأكل والمشرب.

عدم الاعتماد على الأُعجوبة

خرجنا حالًا إلى الكنيس نظيفين ومغسولين. أتذكّر العمَّ حِكْمت/إسماعيل واقفًا يتلو بيت ”صاحبي“، البيت الثامن في قصيدة  ”إلى فتحة رحماتك نتقدم“، حوالي الساعة العاشرة ليلًا، عند دخولنا الكنيس. وقف أبناء الطائفة مرحّبين بنا، مطلقين عبارات التشجيع والتهدئة.

بانتهاء يوم الغفران.انطلقنا إلى بيت العم الأمين صالح الصباحيّ حيث  تناولنا الإفطار. اِتّخذنا قرارًا بألّا نخاطر ثانية. أوصى ”سيدو“ أو بالأحرى أمر، بأنّه من الآن فصاعدًا علينا السفر إلى نابلس قبل يوم الغفران بيوم. وافقنا بالإجماع على هذا الاقتراح، في وليمة انتهاء الصوم.

هذا ما وددتُ أن أُوصله لكم  عبرَ القصّة الشائقة، التي سردتُها لكم كي أخلُصَ إلى القول، لا تتّكلوا على الأعاجيب. كما تروْن، لم تحدث لنا أُعجوبة، ووصلنا إلى وُجهتنا بتأخير كبير، مُتعَبين  مُنهكين، جائعين وعطشانين. مثل هذه التشويشات ما كانت لتحصل لو خطّطنا السفر مسبقًا. أضِف إلى ذلك، العمل لن يهرب، الأمر الرئيسيّ هو أن نعبد الله من كل قلوبنا، ومن كلّ أرواحنا وبكلّ قوّتنا. لقد ألحّ ”سيدو“ علينا كثيرًا أن نسافر معه، لئلّا نقع في تدنيس يوم الغفران، كان مُحقًا كالمعتاد.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط