مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

قراءة في لوحة "على.. عتبة المرايا" للفنانة نسرين الحسنية

قراءة في لوحة "على.. عتبة المرايا" للفنانة نسرين الحسنية

تاريخ النشر: 2026-04-28 | 11:56

عندما تُشعرك الألوان انها تتحاور وتدعوك للتأمل والوقوف على شرفتها، تدرك انك أمام لوحة تقوم  على بنيان إنشائي محكم يُحكم قبضته على المساحة بتوازن دقيق بين الكتل والفراغات، إذ تتصدر المشهدَ كتلةٌ معمارية متعددة الطوابق تتوزع على محاور رأسية وأفقية متداخلة، تمنح العمل ثقلاً وجدانياً يُشعر المتلقي بأنه أمام مدينة لا مجرد مبانٍ، وقد أحسنت الفنانة نسرين الحسنية حين وضعت الشخصية الإنسانية في مقدمة اللوحة مركزياً، بحجم متواضع لا يُغري بالسيطرة، بل يُذكّر بضآلة الفرد أمام الجماد الذي شيّده بيديه، فكانت هذه المفارقة البصرية هي أبلغ خطاب فلسفي في العمل.

المسافة بين الشخصية والمبنى ليست فراغاً فنياً فحسب، بل هي مسافة وجودية مشحونة بالتساؤل - هل يتقدم هذا الإنسان نحو المدينة أم يُولّيها ظهره؟ وهذا الغموض المُتعمَّد في اتجاه الشخصية ... التي تبدو في هيئة ظهر مُنحرف نحو الداخل ... هو ما يجعل اللوحة نصاً مفتوحاً يدعو إلى التأويل لا إلى الإجابة.

أما الأرضية السفلى الممتدة كمرآة مائية فتمنح العمل امتداداً عمودياً مضاعفاً، حيث تنعكس الألوان الحارة في برودة الماء ليتحول الواقع إلى خيال والخيال إلى واقع في مشهد يكاد يكون صوفياً في إيحائه.

تشتعل اللوحة بثنائية لونية حادة تُشكّل جوهرها الدلالي، فمن جهة تتصاعد الحرارة في المبنى والشخصية بدرجات البرتقالي والأحمر والأصفر الذهبي ... وهي ألوان تحمل في طياتها دلالة الطاقة والنار والتوق والبعث ... ومن جهة أخرى يستقر الفضاء الخارجي في برودة البنفسجي والأزرق والنيلي، وكأن الكون يُقاوم جذوة الروح بصمته الغامض.

الشخصية الذهبية تحديداً تستدعي في الوجدان العربي صورة الروح المُصطفاة، تلك التي تحمل داخلها لهباً لا تُخمده مسافات ولا جدران، أما النوافذ السوداء في المبنى فتُشكّل ثقوباً في هذه الجذوة، عيوناً مطفأة تُطل على من يقف أمامها دون أن تُدرك، وكأنها ذاكرة المدينة الخاوية من ساكنيها، والسماء في الأعلى، بعواصفها الزرقاء البيضاء المتلاطمة، تُضفي على المشهد طابع القلق الكوني، لا الطمأنينة، وقد وُزّعت البقعة الحمراء في يمين اللوحة كجمرة متربصة تحذر من اشتعال قادم، بينما يسرب الأصفر في أقصى اليمين ومضةً من بشرى عسيرة الولادة.

هذا التضاد اللوني بين الحار والبارد  ... الذي أتقنت الفنانة نسرين توزيعه ... ليس صراعاً جمالياً فحسب، بل هو صراع حضاري بين الإنسان وما أنشأه، بين الروح والإسمنت، بين الوجع والأمل.

تقف الشخصية في منتصف اللوحة واقفةً في الماء كمن يقف على عتبة العالمين، لا هي في البر الصلب ولا هي في العمق الغارق، وهذه الصورة تستحضر من التراث الروحي الإنساني مفهوم "البرزخ"  ... تلك الحال بين حالين، تلك اللحظة المعلقة بين انتماء ضائع ومصير لم يتشكّل بعد، والمبنى خلفها لا يمنحها ملجأً بل يضغط عليها بثقله المعماري والنفسي، كأن الحجارة التي شيّدها الإنسان تحاصره اليوم، وهنا تُلمح الفنانة إلى فلسفة المكان عند إدوار سعيد حين قال إن المكان يسكن فينا قدر ما نسكن فيه ... لكن الخطر يبدأ حين يغدو المكان سجناً لا وطناً.

يكثّف العمل سؤالاً إنسانياً موجعاً تطرحه مدن كثيرة في عالمنا العربي المثقل بأوجاعه ... أين الإنسان في مدنه؟ المبنى قائم، الأبواب موجودة، لكن النوافذ مُعتمة والأرضية مغمورة بالماء والشخصية وحيدة حيرى لا تجد رفيقاً ولا مُجيباً، هذه الصورة ليست تجريداً خيالياً بل هي يوميات ملايين ممن تحوّلت مدنهم وقراهم إلى أشباح ذاكرة.

لكن الفنانة لا تنحو منحى الإدانة الصريحة، بل تُبقي اللوحة في منطقة الشهادة الحزينة والحنين الجميل، وهذه هي الميزة الكبرى في هذا العمل ... أنه يؤلمك دون أن يُقنطك.

تعزف ريشة الفنانة نسرين بألوانها على مقام "الحجاز" بامتياز ... ذلك المقام الشرقي العريق الذي تتساكن فيه الغربة والشوق والوجع المُحلّى بشيء من الرجاء، فالبنفسجي والأزرق المهيمنان على الفضاء يُجسّدان الحزن الشفيف، بينما ذهبية الشخصية والبرتقالي الحار في المبنى يُدخلان على هذا المقام وتراً من مقام "البياتي" ... ذلك الحنين الدافئ المشبع بوجع التعلق وجمال العودة، وإن أردنا الدقة فإن الجمع بين هذين المقامين يضع المتلقي في حال وصفها أبو حيان التوحيدي بـ"الشجن المستلذ" ... ذلك الحزن الذي تفرح به الأرواح المُرهفة لأنه يُشعرها بعمق إحساسها وصدق وجودها.

تقول هذه اللوحة بلغة بصرية صريحة، إن المدينة بلا روح إنسانية تفيض منها هي مجرد حجارة مرتبة على حجارة، والإنسان الواقف في الماء أمامها لا يسألها "أين أسكن؟" بل يسألها "أين أنتِ؟" ... سؤال الروح للمكان، سؤال الحنين للذاكرة، سؤال الغائب لوطن تحوّل إلى صورة في المرآة المائية التي ترتعش بكل نسمة.

دام وعينا وجمالنا ودامت قيمنا...

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط