مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت

قراءة في جسد الوطن والخراب الصامت..قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي "مرثية الوجع" نموذجا

قراءة في جسد الوطن والخراب الصامت..قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي "مرثية الوجع" نموذجا

تاريخ النشر: 2026-06-13 | 11:30

"العبرات كبيرة وحارة تنحدر على خدودنا النحاسية..العبرات كبيرة وحارة تنحدر إلى قلوبنا”.(ناظم حكمت)

مرثية الوجع

أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا

بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ

فكم فجعتْ ربوعُكَ كلَّ يومٍ

وكم نُكِئَتْ من الآلامِ عودُ

 

خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ

سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ

 

مضينَ على دروبِ الكدحِ صبرًا

ويحدوهنَّ للأملِ البعيدُ

 

إذا اشتدَّ الزمانُ عليهنَّ قهرًا

فصبرُ الصالحاتِ هو الصمودُ

 

حملنَ الهمَّ في صمتٍ نبيلٍ

وفي كفَّيْهِنَّ الخبزُ السعيدُ

 

فما بلغَ المسيرُ بهنَّ أفقًا

ولا اكتملَ الرجاءُ ولا الوعودُ

 

أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي

وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ

 

هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني

وضجَّ من المصيبةِ كلُّ عودُ

 

كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي

وخفَّ بريقُها وخبا الوقودُ

 

بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ

وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ

 

وأبصرَ كلُّ طفلٍ بابَ دارٍ

وليسَ يجيبُه الوجهُ الودودُ

 

ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي

ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ

 

سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ

فأنتنَّ الشهائدُ والشهودُ

 

فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا

وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ

 

طاهر مشي

 

تأخذنا قصيدة "مرثية الوجع" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي إلى مقام نادر في الشعر العربي المعاصر،حيث يتشكل الحزن ككائن حي يتنفس،وتتحول الجراح من مجرد أوصاف إلى بطلة رئيسية في الملحمة.وليست القصيدة مجرد رثاء،بل هي تأسيس لوعي جديد بالآخر المهمش: المرأة العاملة،الأم الشهيدة،الكادحة الصامتة والمثخنة بالمواجع في زمن كافر وسافر..

يبدأ الشاعر بنداء استفهامي مهيب: "أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا"، فيُسقط صفة الجراح على الوطن،كأنه نسيج من الألم،وكأن تونس (والعرب جميعا) لم تعد تُعرف إلا بجروحها وأوجاعها..!

 هذا الاستفهام ليس استفهام ضعف،بل استفهام احتجاج مكبوت،يحمل في طياته سخرية مرة من استمرار المأساة ومن ايغال الجراح في الأجساد الهشة..

ثم ينتقل الشاعر بمهارة عالية إلى تصوير النساء: "خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ / سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ".هنا تكمن المفارقة العميقة: الضياء رمز الأمل والبدايات،لكنه يتحول لاحقا إلى ظلام الموت ودياجير القهر الإجتماعي،والحيف الطبقي.! هؤلاء النسوة لا يطلبن المجد،بل يطلبن "الشرف المشيد" في تفاصيل الحياة اليومية: الخبز المبلل بالدموع،الكدح الجارح،والصبر المرير..

الصور الشعرية في القصيدة تصل إلى ذروة إنسانية مبكية في الأبيات الأخيرة: "بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ / وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ". إن إسناد البكاء إلى السنابل (وهي رمز الحياة والخير) هو قلب رهيب للمعادلة: الطبيعة نفسها تخرق صمتها،وتنحني لفاجعة لا تستوعبها حتى الورود التي لم تعتد أن تكون في مآتم.

لكن أخطر ما في القصيدة هو ذلك الطفل الذي يظهر فجأة: "ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي / ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ".!

الصمت هنا أبلغ من الصراخ...

إن مشهد طفل يبحث عن أمه في دروب لم تعد تعرفه،ثم يخنق صوته لأنه يعلم أن الإجابة ستكون أقسى من البكاء وأشد مرارة من الدموع،هو إدانة مطلقة لكل أشكال العنف والنسيان.

لا يقدم الشاعر ( د-طاهر مشي) حلا،بل يقدم تأبينا استثنائيا :  "فما ماتتْ سواعدُكُنَّ يومًا / وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ".

 هذه اليد العاملة،هذه السواعد التي حملت الهم والخبز والموت والمواجع،تتحول إلى رمز للخلود.وليست الشهادة في أن تكون بطلا،بل في أن تكون أما تموت وهي تحلم بعيش كريم بعيدا عن نباح الجوع وعويل الفقر..

لقد منحتنا يا شاعرنا الفذ (طاهر مشي) أكثر من قصيدة،منحتنا وصية.لقد حوَّلت "مرثية الوجع" إلى جسر بين الأحياء والأموات،حيث تعبر عليه أمهاتنا وأخواتنا وهن يحملن خبزهن الميت وأحلامهن الحية.!

أنت لم تبكِ النساء فقط،بل بكيت في داخلهن كل تونس التي تنزف،وكل العرب الذين يُقتلون بصمت،وتُدفن أحلامهم في حقول لا تنبت إلا النسيان.

لكن عزاءنا أن السواعد لا تموت،وأن "في آثاركُنَّ لنا صعودُ" ليست مجرد بيت شعري،بل هي وعد بأن القادمين سيمشون فوق الجراح،وسيبنون من رفات الأمهات وطنا لا يسأل عن اسم الشهيد،بل عن حلمه.

سلاما أيّتها الأرواح الطيبات..فأنتنَّ في قصيدة د-طاهر مشي خالدات،وفي كل بيت يُقرأ،وفي كل طفل يبحث عن أمه ويجدها في صورة الشمس أو في هدير السنابل،تبقين حاضرات،أقوى من الموت، وأصدق من الغياب.

وهكذا تبقى "مرثية الوجع" أكثر من قصيدة،تصبح طقسا من الضوء والحجر،حيث تتحول تفاصيل الفقد إلى عناوين للخلاص.فكلما قرأناها،ولدت من رحم الألم امرأة جديدة لا تعرف الموت،وطفل لم يخنقه اليأس بعد. 

إنها ليست رثاء للجسد المنهزم،بل ميلاد متجدد للروح التي تختار النهوض رغم كل الندوب. فلنُطلِق إذن سراح هذا الوجع في سماء الكلمات، لعله يصنع من رماد الأمهات قمرا لا يغيب،ومن صمت الأطفال نبضا لا يتوقف..

وهكذا،أيها الشاعر التونسي القدير د.طاهر مشي، تتركنا "مرثية الوجع" أمام مرآة موجعة ولكنها ضرورية: مرآة الأمهات اللواتي رحلن وأيديهن لا تزال تعجن الخبز،مرآة الأطفال الذين لم يكتمل سؤالهم.لهذا نرفع لك تحية شكر مفعمة بالإجلال،لأنك جعلت من الحرف نعشا مشرعا على الحياة،ومن الألم قنديلا يضيء دروب النسيان.

 لقد أعدت للشعر قوته الأولى: أن يكون شاهدا وشهيدا في جيش الضعفاء،وصوتا لمن انكسرت أصواتهم تحت وطأة الغياب.

فدمت شاهدا على الوجع،وترجمانا للصامدات اللواتي لم ننصفهنّ في حياتهن،ولا حتى في موتهن،وآثار أقدامهن على ترابنا ليست صعودا،بل إيقاع متعب من الركوع..!

*صيغت هذه القصيدة على هامش الحادث الأليم الذي شهدته معتمدية المزونة من ولاية سيدي بوزيد التونسية،صباح يوم الجمعة 12 جوان 2026،والمتمثل في انقلاب شاحنة خفيفة من نوع “إيسوزو” كانت تُقلّ حوالي 15 راكبا،أغلبهم من العاملات الفلاحيات اللواتي كنّ في طريقهنّ إلى كسب قوتهنّ اليومي.وأسفر عن وفاة عاملتين وإصابة عشرة أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.

×
أخبار
تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط