مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

قراءة في تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل ... من الصبر الاستراتيجي إلى الردع المباشر.

قراءة في تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل ... من الصبر الاستراتيجي إلى الردع المباشر.

تاريخ النشر: 2026-06-10 | 11:47

سنحاول في هذا المقال تقديم الاحداث وفق بعداً سياسياً واستراتيجياً أوسع يبتعد عن اللغة الخبرية المباشرة لصالح التحليل العميق الذي يربط بين الجبهة اللبنانية وإيران واليمن والدور الأمريكي ومستقبل توازنات المنطقة

 

المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل لم تكن حدثاً  عابرا يمكن إدراجها ضمن سلسلة الاشتباكات المتكررة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية حيث بدت أقرب إلى محطة مفصلية كشفت عن تحولات عميقة في موازين القوى وقواعد الاشتباك التي حكمت الصراع الإقليمي منذ سنوات طويلة خاصة وان المشهد الذي أعقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت وما تبعه من ردود إيرانية مباشرة على أهداف إسرائيلية في العمق الفلسطيني المحتل حمل في طياته مؤشرات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الرد التقليدي لتعكس محاولة واضحة لإعادة رسم خطوط الردع الاساسية وفرض معادلات جديدة على مستوى الإقليم بأكمله

 

الاستراتيجية الإسرائيلية الرتيبة قامت طوال السنوات الماضية على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية في أكثر من ساحة مستفيدة من تفوقها التكنولوجي والدعم الأمريكي الواسع بحيث تتمكن من توجيه الضربات متى أرادت وكيفما شاءت مع حرصها الحذر على إبقاء ردود خصومها ضمن حدود يمكن احتواؤها والسيطرة على تداعياتها غير أن المواجهات والتطورات الأخيرة أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد تحظى بالثبات ذاته وأن أطرافاً إقليمية باتت تسعى إلى نقل الصراع من مرحلة ردود الفعل المحسوبة إلى مرحلة فرض الأكلاف العالية والمباشرة على الطرف الذي يبادر بالتصعيد

 

من هنا يمكن فهم الدلالات العميقة للرد الإيراني الذي لم يقتصر على توجيه رسالة تضامن مع حلفائه في لبنان ممثل بحزب الله بل سعى إلى تأكيد أن أي اعتداء على الضاحية الجنوبية أو الساحة اللبنانية لم يعد يُنظر إليه بوصفه حدثاً محلياً منفصلاً وإنما بات جزءاً من منظومة أمنية إقليمية مترابطة والقصف الايراني  لم يكن مجرد رد على ضربة بعينها بقدر ما كان اعلان عن أن اي استهداف للبنان قد يفتح أبواب الرد السريع على جبهات أخرى تمتد إلى العمق الإسرائيلي نفسه

 

هذه الرسالة الواضحة المعنى تكتسب أهمية استثنائية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المكانة الاستراتيجية للشمال الفلسطيني المحتل ومدينة حيفا على وجه الخصوص لان هذه المنطقة لا تمثل مجرد تجمع سكاني كبير بل تشكل مركزاً اقتصادياً وصناعياً ولوجستياً بالغ الحساسية حيث تضم موانئ ومنشآت صناعية ومرافق حيوية ترتبط مباشرة بالحركة التجارية والاقتصادية الإسرائيلية ولذلك فإن إدخالها في معادلة الردع يحمل دلالة تتجاوز البعد العسكري لتطال الأمن الاقتصادي والنفسي والاجتماعي داخل إسرائيل

 

الأهم من ذلك أن المواجهة الأخيرة كشفت ايضا عن تحول واضح في المقاربة الإيرانية نفسها بعد سنوات طويلة من اعتمادها على ما عُرف بسياسة الصبر الاستراتيجي التي قامت على تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة واسعة تبدو طهران اليوم أكثر ميلاً إلى إظهار استعدادها للرد المباشر والسريع كلما اعتبرت أن خطوطها الحمراء أو مصالح حلفائها الأساسية قد تعرضت للاستهداف وهذا التحول لا يعني بالضرورة السعي إلى حرب شاملة لكنه يعكس رغبة في تعديل ميزان الردع ومنع الطرف الآخر من الانفراد بتحديد سقوف التصعيد وشروطه في كل مرحلة

 

في المقابل تواجه إسرائيل معضلة معقدة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة والتحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الخسائر أو عدد الصواريخ المتبادلة وإنما في احتمال ترسخ معادلة جديدة تجعل كل عملية عسكرية إسرائيلية سبباً لسلسلة من الردود المتلاحقة التي قد تطال العمق الإسرائيلي بصورة مباشرة وفي حال تجذرت هذه القاعدة عمليا فإن هامش المناورة الذي تمتعت به تل أبيب لعقود قد يصبح أكثر ضيقاً كما أن قدرة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إدارة الصراع وفق الشروط التي اعتادت عليها ستتعرض لاختبار غير مسبوق قد يقودها الة الضعف او الفشل

 

الصورة الكلية للمشهد تزداد تعقيداً مع بروز دور الساحة اليمنية بوصفها أحد أهم عناصر التحول في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل خاصة وان اليمن لم يعد مجرد ساحة بعيدة عن مراكز الصراع التقليدية بل تحول إلى لاعب مؤثر في معادلة الضغط الإقليمي من خلال استهداف الملاحة المرتبطة بإسرائيل وفرض قيود متزايدة على حركة السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية أو المرتبطة بها وقد أدى ذلك إلى فتح جبهة جديدة ذات طبيعة اقتصادية وتجارية لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية التقليدية وهو ما اربك حسابات تل ابيب

 

المفارقة الصادمة انه بينما تركز إسرائيل جهودها المكثفة على مواجهة التحديات الأمنية القادمة من الشمال أو من الساحات القريبة منها تجد نفسها مضطرة للتعامل مع تهديد يمتد إلى البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية وهذه المعادلة الجديدة تعني أن تكلفة أي مواجهة لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية فقك بل أصبحت تمتد ايضا إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد والاستثمار والنقل البحري وهو ما يضاعف من الضغوط الواقعة على الاقتصاد الإسرائيلي ويجعل آثار الصراع أكثر شمولاً واتساعاً

 

المعادلة اللافتة أن التطورات الأخيرة بين طهران وتل ابيب أعادت إحياء مفهوم وحدة الساحات بصورة عملية تتجاوز الشعارات السياسية والتداخل بين الجبهة اللبنانية والرد الإيراني المباشر والتحركات اليمنية في البحر الأحمر وربما العراقي لاحقا تكشف عن وجود اتجاه متزايد نحو ربط مسارات المواجهة المختلفة ضمن إطار استراتيجي واحد وهذا الأمر يجعل من الصعب على إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة التعامل مع كل جبهة بصورة منفصلة كما كان يحدث في مراحل سابقة

 

خلال تتبع هذا السياق تبرز المعضلة الأمريكية بوصفها أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل الصراع والولايات المتحدة ما زالت تمثل الداعم الاستراتيجي الأول لإسرائيل سياسياً وعسكرياً لكنها في الوقت ذاته تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تهدد مصالحها المنتشرة في المنطقة وهذا التناقض بين الرغبة في دعم إسرائيل والسعي إلى منع توسع الحرب يضع واشنطن أمام خيارات معقدة قد تصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت رقعة المواجهة وتشابكت ساحاتها

 

ما تشهده المنطقة اليوم لا يمكن اختزاله في تبادل الضربات أو في حسابات الربح والخسارة العسكرية المباشرة لأن جوهر الصراع يدور حول من يمتلك حق رسم قواعد الاشتباك الجديدة وتحديد حدود القوة والنفوذ في الشرق الأوسط وإيران تسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على أن أي استهداف لحلفائها أو لأراضيها سيقابله رد مباشر ومتكرر بعنف اكبر واوسع بينما تحاول إسرائيل الحفاظ على هامش المبادرة الذي شكل أحد أهم عناصر تفوقها الاستراتيجي خلال العقود الماضية

بناء على هذا التحليل فان أهمية المواجهة الأخيرة لا تكمن في عدد الصواريخ التي أطلقت أو في حجم الأضرار التي لحقت بهذا الطرف أو ذاك بل في أنها كرست مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة بأسرها سيما وان المعركة الحقيقية ليست معركة صواريخ بقدر ما هي معركة فرض إرادات وتثبيت معادلات كما انها في الوقت ذاته ليست صراعاً على جغرافيا محددة بقدر ما هي صراع على مستقبل التوازنات الإقليمية ومن يمتلك القدرة على فرض قواعد اللعبة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة

 

اللافت في حيثيات هذه الجولة من التصعيد أن الموقف الأمريكي بدا أكثر تعقيداً مما حاولت التصريحات الرسمية إظهاره والرئيس دونالد ترامب رغم التزامه التاريخي بدعم إسرائيل بدا اكثر حذراً من اندفاع حكومة بنيامين نتنياهو نحو توسيع دائرة المواجهة وام العديد من المواقف والتصريحات المتواترة تشير إلى وجود قلق وارتباك داخل الإدارة الأمريكية نفسها من أن أي هجوم واسع على إيران أو استمرار الاعتداءات على لبنان والتي قد يدفع المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة يصعب ضبط مساراتها أو التنبؤ بنتائجها وان اشنطن تدرك أن إشعال اي مواجهة مفتوحة لا يهدد أمن إسرائيل وحدها بل سوف يضع القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة وخطوط الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية أمام مخاطر غير جسيمة ومحسوبة ولهذا بدا أن ترامب يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على التحالف مع إسرائيل ومنع نتنياهو من جر الولايات المتحدة إلى حرب لا تتوافق مع أولوياتها السياسية والاقتصادية الأمر الذي يكشف عن تباين متزايد بين الحسابات الأمريكية الأوسع والحسابات الإسرائيلية الأكثر اندفاعاً ومغامرة

 

التحول الأكثر أهمية الذي كشفته المواجهة الأخيرة تمثل في انتقال مركز الثقل الاستراتيجي من مفهوم التفوق العسكري المجرد إلى مفهوم القدرة على فرض الكلفة وإسرائيل تمتلك قوة نارية هائلة وتفوقاً تكنولوجياً معروفاً غير أن إيران وحلفاءها يحاولون بناء معادلة مختلفة تقوم على استنزاف الخصم وتهديد مصالحه الاقتصادية والأمنية في أكثر من ساحة في ذات الوقت ومن هنا يصبح البحر الأحمر جزءاً اساسيا من المعركة كما يصبح شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان والعراق جزءاً من المشهد ذاته وهذه المعادلة لا تستهدف تحقيق نصر عسكري تقليدي بقدر ما تسعى الى إقناع الخصم بأن كلفة استمرار التصعيد أصبحت أعلى من المكاسب المتوقعة منه وهو تحول هام قد يرسم ملامح الصراعات الإقليمية خلال السنوات المقبلة أكثر مما ترسمها نتائج المعارك الميدانية المباشرة

 

ختاما : المنطقة بواقها المشتعل لا يبدو تقف اليوم أمام جولة عابرة من تبادل الضربات بل أمام تحول استراتيجي قد يعيد صياغة قواعد الصراع بأكملها وإيران التي أمضت سنوات طويلة وهي تراهن على الصبر الاستراتيجي وإدارة الأزمات من خلف خطوط المواجهة تبعث اليوم رسالة مختلفة تماماً مفادها أن زمن الانتظار الطويل قد انتهى وان طهران انتقلت من سياسة امتصاص الضربات إلى سياسة الرد المباشر والسريع والمتكرر وانها تجاوزت مرحلة التحذير إلى الفعل ومن الدفاع عن خطوطها الحمراء إلى فرضها بالقوة ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إيران سترد على أي عدوان جديد بل إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا الرد وكيف ستتعامل إسرائيل والولايات المتحدة مع واقع إقليمي جديد لم تعد فيه طهران تقف على بوابة الصبر الاستراتيجي بل أصبحت تمارس الردع بصواريخ النار والدمار وتفرض حضورها في قلب معادلات القوة دون تردد أو انتظار

×
أخبار
عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط