مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

قديم يتنحى وقديم لا يغادر

قديم يتنحى وقديم لا يغادر

تاريخ النشر: 2018-01-17 | 09:48

نبالغ، نحن كبار السن، فى إعلان عشقنا للقديم. نعشق سينما الأبيض والأسود ونحث صغارنا على مشاركتنا هذه المتعة المتجددة. أثق فى أن كثيرا من الآباء والجدود اجتهدوا فى ابتكار مبادرات وهم يحاولون شد انتباه الصغار إلى بعض القديم الذى عشقناه. أنا شخصيا اجتهدت وحاولت. كانت الاستجابة فى معظم الحالات ضعيفة ولا تخلو من رغبة فى إرضاء كبير العائلة واحترام رغبته. أخفيت عنهم، ولكنى لن أخفى عن أوراقى الخاصة، أننى كنت فى كثير من الأحيان مفعما بالرغبة فى ألا تفوتهم فرصة للاستمتاع بما أتيح لى من أنواع متعة فى الماضى. كنت أيضا مشبعا بالاقتناع بأن الجديد الذى يشاهدون ويسمعون كل يوم وطول اليوم غير مثير وغير ممتع وأنهم فى واقع الأمر غير سعداء به.

***

أذكر كيف كنت أفتعل المناسبات لنجتمع أمام شاشة التلفزيون أثناء عرض فيلم قديم صامت وأحيانا ناطق. كثيرا ما لمحنى الصغار خلال العرض وأنا أسترق النظر إليهم من طرف عينى أراقب بخيبة أمل عجزهم عن استظراف مشية ممثل معين وتعبيرات وجهه. كان هذا الممثل بالتحديد مشهودا له من الكافة فى عصرنا بخفة ظله وروعة أدائه. افتعلت مناسبات أخرى أقنعت فيها صغارى، على غير المعتاد وخلافا لما جرت عليه أصول التربية فى بيتنا، بقضاء السهرة العائلية المزودة بصحون المأكولات الخفيفة والمكسرات معنا يشاركوننا متعة الاستماع إلى أم كلثوم.

أخطأنا التقدير. لم نقدر حقيقة أن لهؤلاء الصغار جديدهم فى السينما، كأفلام الألوان الطبيعية ورعاة البقر والاستعراضات الراقصة. لم نقدر أيضا أن لهم جديدهم كذلك فى الموسيقى والأغانى. لم نقدر فى ذلك الحين أن الأذواق لا تورث، وأنها متغيرة دائما وأبدا، متغيرة مع الزمن ومع المرحلة العمرية ومع جغرافية المكان وأجوائه المناخية ومتغيرة مع الظروف المادية والنفسية وبخاصة الظروف العاطفية.

خلصت من تجاربى مع الصغار إلى نصيحة أوجهها لكل من يهمه الأمر. لا تجبر صغارك على الاستماع أو مشاهدة القديم الذى تعشقه. لن تكسب لقديمك معجبين جددا، هذا إذا لم تكن قد فقدت بالفعل عند صغارك وأصدقائهم سمعة ذوقك الرفيع ومكانتك الراقية كمحب للفنون وربما راع لها. حاول أن تستعيد دورك عندما كنت تمجد أمامهم خصال التقدم والقيم والأذواق العصرية وتسفه كل قديم من السلوكيات.

***

سألتنى صديقة: كنت صغيرة عندما تعرفت عليه. كنا فى عرس صاخب ككل الأعراس أشارك أهلى المائدة التى خصصت لنا. أذكر أننى كنت سعيدة بشكل خاص فى تلك الليلة ليس فقط لأن أقرب قريباتى إلى قلبى ومكمن أسرارى تتزوج، ولكن أيضا لإحساسى الأكيد بأننى متفوقة على الكثيرات جمالا وأناقة. لم أكن ليلتها فى حاجة لمن يلح من الصديقات والقريبات وأمى بشكل خاص لأنضم إلى الزهرات اللائى يشاركن العروس والعريس الرقص. رقصنا ورقصنا فأبدعت وبين الراقصين معنا ومن حولنا رأيته وصعقت انبهارا. لم أجد صعوبة فى فتح حديث وتبادل كلمات بلا معنى، بل ولا أذكرها الآن. لم أنتبه إلى وجود أهلى إلا عندما جاءتنى فى الحديقة من تنبهنى إلى أنهم يبحثون عنى لنرحل عائدين إلى بيتنا، وكان الفجر قد حل.

لم أتزوجه. تزوجت رجلا آخر لم تربطنى به قبل الزواج عاطفة. قضينا معا ما يزيد على خمسة وعشرين عاما ننجب ونربى. عشت حياة، أو المرحلة الأهم فيها، خالية من الإثارة. تمر السنوات ولا يحدث جديد. يقترب الصيف وأنا أكاد أكون واثقة من تفاصيل تحركاتنا خلاله يوما بيوم ولا أبالغ إن قلت ساعة بساعة. ولن يختلف الشتاء عن الشتاء الذى سبقه.

أعتذر يا صديقى عن هذه المقدمة الطويلة. أردت فقط أن أحيطك بخلفية السؤال الذى نويت التوجه به لك. أردت فقط أن أعرف منك توقعك لما يمكن أن أفعله لو ظهر أمامى فجأة الشاب الذى صعقتنى انبهارا رؤيته فى عرس قريبتى قبل أكثر من ربع قرن. هل تظن أنه بقى فى من هن فى مثل عمرى وظروفى ما يمكن أن يدفعهن إلى الانبهار؟ سؤالى هذا يجر معه سؤالا ثانيا وأهم وأعرف تماما أنك توقعته. لا شك عندى أنك توقعت منى أن أسأل السؤال بنصه التالى: لماذا ترانى سألت السؤال الأول؟

***

نعم. بقى فى من هن وهم فى مثل عمرك وظروفك ما يمكن ويكفى لدفعهن ودفعهم إلى الانبهار، ولكن ليس إلى الانبهار بقديم. الإنسان منا، حسب اعتقادى وتجربتى، لا ينبهر إلا بالجديد. أنت لا تنبهرين بالقديم لأن الانبهار استغراب، والإنسان لا يستغرب الشىء مرتين. لن تنبهرى بالقديم مرة ثانية. القديم بعد قليل يتحول إلى نماذج نتوق لها ويستمر أعجابنا بها لما تثيره فى نفوسنا من أشجان وأشواق. لن يتجدد انبهارنا بالقديم فالقديم لن يعود إلينا طبق الأصل إلا إذا احتفظنا به مجمدا فى مكان لا يتعرض فيه لقيظ السنين وصقيعها أو لتقلبات الحياة ونكساتها أو لخيانات الدهر والبشر، ولن نفلح حتى لو شئنا. كذلك لن يعود القديم كقديمه تماما إلا إذا سجلناه صوتا أو صوتا وصورة أمناء عليه فلا يتغير وإن تغيرنا. وقد تغيرنا. نستعيد القديم خاليا من العاطفة وخيالاتنا متوقدة العواطف. وإليك أعود.

أنت نفسك تغيرت. أؤكد لك أنك لم تحتفظى بنفس ذوقك فى الرجال الذى دفعك ذات يوم قبل خمسة وعشرين عاما للإعجاب برجل إلى حد الانبهار. أما الرجل فهو كغيره من الرجال سرعان ما فقد المواصفات التى كانت فى ليلة من الليالى وليال أخرى وراء انبهارك. تغيرتما. كلاكما لا ينفعه الآن ولن يشبعه قديمكما.

***

أتذكرين عندما كنت تقولين عن الرجال يعجبنى منهم الأكبر سنا والممتلئ قليلا وخفيف الشعر. أنت الآن تفضلين أنواعا مختلفة. القديم يتنحى عن مكانه فى أولوياتك لصالح جديد أتى بالفعل أو ربما آت. هكذا حال كل قديم. أستثنى القديم من الموسيقى والرسم والتصوير والنحت والغناء. هذا النوع من القديم يزداد روعة وجمالا ويتضاعف الطلب عليه كلما ازداد قدما. أتسمعين ما أسمع الآن. أسمع صوتا خلابا يشدو بكلمات تختتم أوبرا مدام بترفلاى. أمثل هذا القديم يجوز أن يتنحى لصالح جديد؟

عن الشروق المصرية

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط