مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

في حروب الإبادة... الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع

في حروب الإبادة... الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع

تاريخ النشر: 2026-07-03 | 13:24

«يذهبون ليتركوا شيئًا؛ لا يذهب بذهابهم... يتركون الذاكرة التي لا تبلى... يتركون أنفسهم في أنفسنا ثم يذهبون.»

محمود درويش

تُقاس الحروب عادةً بعدد القتلى، وحجم الدمار، والخرائط التي تتبدل بفعل القوة العسكرية. أما حروب الإبادة، فلا تكتفي بقتل الإنسان، بل تسعى إلى اقتلاع ذاكرته، ومحو روايته، وتحويل وجوده إلى أثرٍ قابل للنسيان. إنها حرب على الماضي بقدر ما هي حرب على الحاضر، وعلى المستقبل أيضًا.

هذا ما يواجهه الفلسطينيون منذ ما يقارب ألف يوم من الحرب المتواصلة على قطاع غزة. فالمشهد لم يعد يقتصر على القصف والدمار والتهجير، بل بات يكشف عن نمط متكامل يستهدف المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته؛ البشر، والمؤسسات، والثقافة، والتعليم، والصحة، والإعلام، وحتى المقابر. وكأن الغاية النهائية ليست فقط إنهاء حياة الفلسطيني، بل إلغاء الدليل على أنه كان هنا يومًا.

في هذا السياق، تكتسب كلمات محمود درويش معنى يتجاوز الشعر. فالشهداء، في التجربة الفلسطينية، لا يغيبون لأنهم يتركون خلفهم ذاكرة جماعية تقاوم النسيان. إنهم لا يصبحون مجرد أسماء في قوائم الضحايا، بل يتحولون إلى جزء من السردية الوطنية، وإلى شاهد دائم على ما جرى.

ولذلك، فإن معركة الذاكرة ليست أقل أهمية من معركة البقاء. فالتاريخ يعلمنا أن مشاريع الاستعمار والإبادة لا تنتهي عند السيطرة على الأرض، وإنما تمتد إلى السيطرة على الرواية. ومن ينجح في كتابة التاريخ، يملك القدرة على إعادة تعريف الضحية والجلاد، والجريمة والعدالة.

لقد شهد العالم خلال العقود الماضية مآسي كبرى، لكن التجربة الفلسطينية تكشف اليوم بعدًا إضافيًا يتمثل في محاولة إنتاج النسيان بصورة ممنهجة. فاستهداف الصحفيين، وتدمير الجامعات، وإحراق الأرشيفات، وقصف المراكز الثقافية، واحتجاز جثامين الشهداء، ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سياسة تهدف إلى قطع الصلة بين الشعب وذاكرته.

ورغم ذلك، فإن الفلسطينيين يقدمون نموذجًا مختلفًا. فكل شهيد يحمل اسمًا، وصورة، وحكاية، وعائلة، وحلمًا لم يكتمل. ولهذا تفشل محاولات تحويل الضحايا إلى أرقام. إن الرقم قد يُنسى، أما القصة فتبقى، وتنتقل من جيل إلى آخر، لتصبح جزءًا من الوعي الجمعي الذي لا تستطيع القوة العسكرية القضاء عليه.

بعد مرور 1000 يوم من الحرب، لم يعد السؤال يقتصر على عدد الشهداء، بل أصبح يتعلق أيضًا بما تبقى من النظام الدولي نفسه. فحين تتكرر مشاهد قتل المدنيين، واستهداف الأطفال، والعاملين في المجال الصحي، والصحفيين، وعمال الإغاثة، دون مساءلة فعالة، فإن الأزمة تتجاوز حدود فلسطين لتصبح اختبارًا لمصداقية القانون الدولي الإنساني، ولمفهوم العدالة الذي تأسست عليه المؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

إن العدالة لا تُقاس فقط بإصدار البيانات أو بعقد المؤتمرات، بل بقدرتها على حماية الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها. وحين تعجز المنظومة الدولية عن وقف الإبادة أو محاسبة مرتكبيها، فإنها لا تخذل الضحايا وحدهم، بل تضعف الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه.

ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درسًا متكررًا: قد تنتصر القوة مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنتصر على الذاكرة. فالشعوب التي تحفظ أسماء شهدائها، وتوثق جرائمها، وتورث روايتها لأبنائها، تمتلك قدرة استثنائية على مقاومة المحو.

لهذا، فإن مسؤولية الأحياء اليوم لا تقتصر على إحصاء الضحايا أو تشييع الشهداء، بل تمتد إلى حماية ذاكرتهم من التزييف، وتوثيق جرائم الإبادة، والدفاع عن الحقيقة في مواجهة حملات التضليل، حتى لا تتحول المأساة إلى مجرد فصل منسي في أرشيف السياسة الدولية.

لقد أدرك محمود درويش هذه الحقيقة عندما كتب أن الراحلين يتركون أنفسهم فينا. واليوم، بعد نحو ألف يوم من الحرب، تبدو هذه الكلمات أكثر واقعية من أي وقت مضى. فالشهداء الفلسطينيون لم يغيبوا؛ إنهم حاضرون في ضمير أمهاتهم، وفي عدسات الصحفيين الذين خاطروا بحياتهم لنقل الحقيقة، وفي دفاتر الأطفال الذين فقدوا مدارسهم، وفي الركام الذي ما زال يشهد على جريمة لم تنتهِ بعد.

ربما تستطيع الإبادة أن تهدم مدينة، وأن تمحو حيًا، وأن تقتل آلاف البشر. لكنها تعجز عن محو الذاكرة حين تتحول إلى ضمير جماعي. وعندما تصبح الذاكرة شكلًا من أشكال المقاومة، فإن الشهداء لا يكونون نهاية الحكاية، بل بدايتها.

إن السؤال الذي سيطرحه التاريخ لاحقًا لن يكون: كم كان عدد الشهداء؟ بل سيكون: ماذا فعل العالم وهو يشاهد شعبًا كاملًا يُستهدف في وجوده وذاكرته ومستقبله؟ وعندها، لن تكون ذاكرة الفلسطينيين وحدها هي التي ستجيب، بل ذاكرة الإنسانية بأسرها.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط