مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

فى ذكراه الثالثة: هيكل وجمال حمدان وعبقرية المكان

فى ذكراه الثالثة: هيكل وجمال حمدان وعبقرية المكان

تاريخ النشر: 2019-02-18 | 14:48

كلاهما كان شاغله الرئيسى «الجغرافيا والتاريخ».
أحدهما، قضيته الجغرافيا وعبقرية المكان فيها يقرأ ثوابتها من نافذة التاريخ وتحولاته.
والآخر، قضيته التاريخ ووثائقه فى رواية الصراع على مصر والمنطقة يطل على وقائعه من فوق تضاريس الجغرافيا وثوابتها.
طرأت فكرة اللقاء الأول مع الدكتور «جمال حمدان» فى حوار بمكتب الأستاذ «محمد حسنين هيكل» مع الكاتب الصحافى الراحل «مصطفى نبيل»، وهو من أبرز المثقفين المصريين والعرب فى ربع القرن الأخير.
فى ذلك الصباح تطرق الحوار بينهما إلى صاحب الأثر الجليل «شخصية مصر ـ دراسة فى عبقرية المكان»، إسهاماته وكتاباته، وهل يمكن أن يقنعه أحد بالخروج من العزلة التى طالت إلى رحابة الحياة.
أسهب «مصطفى» فى الحديث عن «راهب الجغرافيا»، وكل حرف يقوله مصدق، فلا أحد غيره تفتح له الصومعة المغلقة على صاحبها باستثناء أسرته تأتى إليه لتوفر احتياجاته.
«قال مصطفى: جمال يريد أن يراك.. ولم أكن فى حاجة إلى تفكير فأنا كنت أتطلع بدورى إلى رؤيته».
فى الموعد المحدد وصلا معا إلى شقة «جمال حمدان» بحى الدقى.
مرة بعد أخرى طرق «مصطفى» باب الشقة على الطريقة المتفق عليها حتى يعرف من بالخارج، لكن لا أحد يستجيب.
بدأ بدوره يطرق الباب على نفس الطريقة، ولا أحد يفتح، أو يصدر صوتا أن خلفه حياة.
اقترح «مصطفى» أن يعودا إليه فى يوم آخر بعد التأكيد على صاحب البيت حتى يفتح بابه، لكن «هيكل» أبَى، الصحافى فيه تحرك على نحو لم يكن ممكنا معه أى انتظار لموعد جديد.
خرج إلى الشارع وبصحبته «مصطفى».
التقط حجرا صغيرا وقذفه على شرفة الشقة، التى تقع بالطابق الأرضى، لعل ضجيجا يوقظه من نوم، أو يذكره بأن هناك موعدا ـ على ما روى لى بعد سنوات طويلة رفيقه فى الزيارة المثيرة.
سألت الأستاذ: «هل قذفت حجرا على شرفة شقة جمال حمدان؟!».
ضحك قائلا: «دع القصة يرويها لك صديقك مصطفى نبيل».
كيف كان اللقاء الأول؟
«من خلف باب موارب رأيته مرتديا «روب» أحمر فوق ملابس البيت».
«كان الرجل يعد الطعام لنفسه فى مطبخه وغرفة الاستقبال لم تخضع لعناية منذ فترة».
«لم يكن المشهد يليق بمفكر من حجمه أثرت كتاباته فى مجرى التفكير العام ولفتت إلى دور الجغرافيا فى حياة المصريين».
«سألته: ليه كل ده؟».
«بدا رجلا تعرض لصدمة إنسانية فاقت طاقته على احتمالها لدرجة أنه أخذ يعاقب نفسه».
«سألته: لماذا هذه العزلة وإسهاماتك مراجع كبرى للباحثين والمثقفين والمعنيين بالشأن العام.. لماذا تفعل ذلك بنفسك وأنت الآن مؤثر لحدود لا تتصورها فى التفكير العام».
«أنت تعيد فكرة الرهبنة المصرية بالعزلة فى الخلاء لكنك منعزل فى فوضى».
«طالبته بأن ننتقل إلى مكان آخر يصلح للحوار فيه، أن يرى الحياة الطبيعية فربما تغريه بالعودة إليها».
بعد قليل ذهب الرجال الثلاثة إلى فندق شهير بحى الدقى يطل على النيل.
فى الحوار لطف إنسانى بدأه «جمال حمدان»: «إنك تتصرف كلورد إنجليزى رغم صداقتك لجمال عبدالناصر؟».. مشيرا إلى سيجار فى يده يشعله بثقاب.
ابتسم لملاحظته سائلا عما إذا كان يريد أن يدخن سيجارا آخر يحتفظ به.
أخذ «جمال حمدان» ينفث دخانه فى الهواء ناظرا إلى جريان نهر النيل والحوار يتدفق بعمق.
«ما الذى جرى للمكان وعبقريته وكيف وصلنا إلى هنا؟».
«إلى أين حركة التاريخ ذاهبة فى هذا الموقع من العالم؟».
أجاب «حمدان» عن فيض تساؤلات «هيكل» بكبرياء حزنه: «حركة التاريخ الدائمة قد تكون أحيانا إلى أسفل.. شهدنا انقلابا لأنه كان بين السكان من لم يقدِر ولم يرع حرمة وحق المكان».
شىء مما دار بينهما سجله فى مقدمة كتابه «أكتوبر ٧٣ ـ السلاح والسياسة»، الذى أهداه إلى «ذلك العالم المصرى الفذ»، غير أنه لم يدخل فى جو الحوار، ولا تطرق إلى بعض الأسئلة التى طرحها عليه الدكتور «جمال حمدان» فى حضور «مصطفى نبيل»، التى سجلها كتابة كما طلبت وألححت.
كيف تسكت يا أستاذ هيكل على ما يجرى فى مصر؟
أجاب الأستاذ: وماذا تريد أن أفعل؟
قال حمدان: لا تقل لى ما تردده أنك مجرد كاتب صحافى، فهذا غير صحيح، أنت زعيم سياسى يسلم بزعامته الكثيرون، فكيف لا تقود الشعب فى ثورة لإسقاط المعاهدة المصرية الإسرائيلية، خاصة أنك تتمتع بالثقة وبميزات لا يتمتع بها سواك، ولديك تجارب ومعرفة عميقة بالمسرح الدولى والأوضاع المحلية، عادة لا يتقن الحديث من يحترف الكتابة، ولكنك تتقن بالوقت نفسه الكتابة الراقية والحديث المقنع، وعادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق فى الكليات، لكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معا، وعادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العملية ولا يتقنها، وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة عملية كبيرة، وعادة ما يكون المفكر السياسى غير محترف السياسة وممارساتها، لكنك مفكر وسياسى فى ذات الوقت.
فلماذا لا تقود أهل مصر فى طريق الخلاص؟
أجاب هيكل عن فيض تساؤلاته: لقد جئت إليك حتى أسمع منك، ما تفسيرك لتدهور موقف مصر السياسى؟ ولماذا رحب البعض بهذه الاتفاقية؟
قال حمدان فى كلمة كالرصاص: إنه الطغيان.
فى اللقاء الأول كان «محمد حسنين هيكل» يسأل و«جمال حمدان» يجيب.
قرب نهاية ذلك اللقاء الفريد من نوعه اتفقا على طريقة للاتصال المباشر لتحديد موعد لحوار آخر، أن تكون هناك رنة هاتف واحدة تتبعها رنتان بينهما فاصل.
وفى اللقاء الثانى بمكتب «هيكل» تبادلا الأدوار، «حمدان» يسأل وهو يجيب.
كانت لدى المفكر الجغرافى أسئلته عن رؤية «عبدالناصر» للصراع فى المنطقة، وأخذ أستاذ الصحافة يشرحها باستفاضة.
وهو يدخل إلى مكتب «هيكل» حمل الدكتور «جمال حمدان» معه نسخة من «شخصية مصر» عليه إهداء يصفه بـ«أهم كاتب سياسى فى العالم وأعظم مفكر سياسى أنجبته مصر».
«قلت له: يا جمال هذه مبالغة».
فيما حرق فى «برقاش» من كتب وأوراق ووثائق نسخة من كتاب «جمال حمدان» الأشهر وعليه إهداء بخط يده بعد أن نال حريق آخر قبل عشرين سنة من شقته ومخطوطاته وحياته.
رحل المفكران الكبيران لكن أثرهما ممتد ومؤثر، وهذه قوة الفكرة التى تغلب فى النهاية أية قوة أخرى.

عن الشروق المصرية

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط