مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

فلسطيني في أندونيسيا

فلسطيني في أندونيسيا

تاريخ النشر: 2016-12-06 | 09:07

صحيحٌ أنها تقع في أقصى جنوب شرق آسيا، وأنها تبعد عن فلسطين آلاف الأميال، وتفصلها عنها بحارٌ ومحيطاتٌ، وجبالٌ ووهادٌ وقفارٌ وأنهارٌ، وأنها تختلف في طبيعتها عن بلادنا العربية جميعها، ولا تماثل فلسطين بسكانها شكلاً أو لوناً أو لساناً، ولا تنطق بضادنا العربية إلا تلاوةً للقرآن الكريم أو خلال أداء الصلاة، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، رغم حبهم للغة العربية وحرصهم الشديد على تعلمها، وتفاخرهم بمعرفتها وإتقان بعض كلماتها، خاصةً أن الكثير منهم عمل أو درس في بلادنا العربية، فتعلموا فيها ما استطاعوا من كلماتٍ بقيت في ذاكرتهم، يستعيدونها مع كل ضيف، ويرددونها في كل حديثٍ، وكلهم فخرٌ أنهم يعرفون اللغة العربية ويتحدثون بها.

لكن شعبها المسلم الذي يزيد في تعداده عن مائتي مليون نسمة، يتوزعون على أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة، تشكل في مجموعها الأرخبيلي العجيب الدولة الأندونيسية، يميزون فلسطين عن غيرها من البلاد العربية، ويحبونها وأهلها دون سواهم، ويرونها جزءاً من عقيدتهم، وبعضاً من دينهم، إذ فيها القدس الشريف، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماوات العلى، ويذكرون أن فيها تميم الداري ونسله، وما اقتطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم له في الخليل ولذريته من بعده، ويعتصرهم الألم أنها والقدس وفلسطين كلها محتلة، وأن العدو الإسرائيلي يغتصب أرضها ويضطهد أهلها ويقتل رجالها، ويدمر بنيانها ويخلع أشجارها ويعيث فيها فساداً.

الأندونيسيون شعبٌ مسلمٌ عريقٌ في أصله، وعظيمٌ في دينه، وصادقٌ في وعده، وثابتٌ على عهده، لهفتهم على فلسطين كبيرة، وصدقهم لافتٌ، وإخلاصهم بادي، واستعدادهم صادق، وتضحياتهم حقيقية، وهمتهم جاهزة، وعزيمتهم حاضرة، يؤمنون يقيناً أن فلسطين أرضٌ مباركةٌ، وأن القدس أرضٌ قد باركها الله عز وجل وطهرها بالأقصى وما حوله، الذي هو آيةٌ في كتابه الكريم يحفظونها ويرددونها، وقدسه سورةٌ في قرآنه العظيم يتلونها آناء الليل وأطراف النهار إلى يوم القيامة، وستبقى فلسطين في أعناقهم أمانة، وفي قلوبهم وصيةً إلى قيام الساعة، ولن يألوا جهداً أو يتأخروا عن واجبٍ إذا دعتهم فلسطين لنصرتها، واستصرختهم لنجدتها.

كثيرون هم المصطافون العرب والسائحون إلى أندونيسيا من الدول العربية، ولكنهم لا يثيرون انتباه الأندونيسيين ولا يحركون مشاعرهم، ولا يستوقفهم أحدٌ من رعاياها كما يستوقفهم الفلسطيني إذا عرفوه، فيلتفون حوله ويتحلقون، ويتصورون معه ويتحدثون، ويبتسمون له ويبشون، وكلهم يريد استضافته في بيته أو محله، أو دعوته إلى مدرسته ومؤسسته، أو إلى مسجده وجمعيته، يريدون الاستماع إليه والتبرك به، ظانين أن الفلسطينيين خلقٌ آخر، ينتسبون إلى الدوحة الشريفة بانتمائهم إلى فلسطين وإقامتهم فيها، وفي هذا صغار الأندونيسيين كما كبارهم، ونساؤهم كما رجالهم، وخاصتهم كما عامتهم، كلهم سواء، يحبون فلسطين وأهلها، ويبدون عواطفهم لأبنائها، ويسعدون باستقبالهم، ويفرحون باللقاء بهم والحديث معهم، ولا يملون من الترحيب بهم والسلام عليهم.

إنهم لا يعرفون اللغة العربية، ولكن ألسنتهم إذا التقوا مع فلسطيني تنطلق من عقالها، وتفلت من إسارها، ويباشرونه مع التحية الكريمة بالابتسامة البشوشة، والسؤال عن القدس وأهلها، وعن المسجد الأقصى وعماره، وعن المرابطين فيه وأسراره، وعن الصخرة المشرفة ومسرى رسول الله إليها، وعن معراجه وبراقه، وعن غزة وأهلها يسألون، وعلى أحوالهم يقلقون، فيحزنهم ما آلت إليه أوضاعهم من حصار الشقيق والعدو لهم، ولكنهم يزهون بغزة وانتصاراتها، ويحفظون مقاومتها وأهلها، ويرون أن النصر التام على العدو الإسرائيلي سيتحقق اليوم غداً، وأنه سيندحر يوماً عن فلسطين كلها، التي ستغدو حرةً أبيةً، عزيزةً كريمةً في كنف الإسلام العظيم الذي إليه تنتسب وتنتمي.

الأندونيسيون فقراء وليسوا أغنياء، وبسطاءٌ وكرماءٌ، أسمالهم بسيطة بوزرتهم الموروثة، وقبعتهم السوداء المصونة، حياتهم عادية، وشوارعهم هادئة، وبيوتهم متواضعة، ورواتبهم قليلة، ومداخيلهم محدودة، وديونهم كثيرة، وهمومهم عديدة، ومشاكلهم مختلفة، لكنهم يصرون على أن يكون لهم في فلسطين دورٌ، وفي مقاومتها شريك، وفي جهادها سهم، ويحرصون على أن يكون لهم في فلسطين أثرٌ وعلى أرضها علامةٌ، وبين شعبها ذكرى ومكانة، فيجمعون من بيوتهم ما يستطيعون، ويقتطعون من قوتهم ما يقدرون، ويوفرون من رواتبهم أقصى ما يستطيعون، ويقدمونها لفلسطين وأهلها، مشاركةً لهم ومساعدةً، وعوناً لهم وغوثاً، وكلهم أمل أن يكون لهم دورٌ في صمودهم وثباتهم، ومساهمة في جهادهم وقتالهم.

يسأل الأندونيسيون بحرقةٍ وأسى، وحزنٍ وألمٍ، لماذا يختلف الفلسطينيون ويقتتلون، ولماذا يتشاجرون ويتسابون، ولماذا تدب بينهم المشاكل وتنشب بينهم المعارك، وهم جميعاً أبناء شعبٍ واحدٍ وأهل وطنٍ كريمٍ، وكلهم يخضع للاحتلال ويعاني منه ويقاسون من سياسته، وأبناؤهم جميعاً يقتلون ويسجنون، ويعذبون ويضطهدون، والعدو لا يفرق بينهم ولا يميز، فلماذا يقتتلون وعلام يختلفون، ومتى سيتفقون، فقد أوجعهم ما رأوا من خلافٍ بينهم، فرفعوا الصوت يطالبونهم بالوحدة، ويدعونهم إلى اللقاء، ويرون أن فرقتهم جريمةً، واختلافهم معصية، ولقاؤهم فرضٌ وواجبٌ، والسعي بينهم بالصلح والاتفاق ضرورة.

الشعب الأندونيسي يعرف قسوة الاحتلال، ويدرك معاناة السكان، ويستشعر حجم الألم الذي يتركه الاستعمار في نفوس وقلوب الشعوب التي يحتل أرضها، ويغتصب حقوقها، ويدوس مقدساتها، ويهين كرامتها، فأندونيسيا خضعت للاستعمار الهولندي مدة ثلاثمائة عامٍ مريرةٍ قاسيةٍ، عانوا فيها من الظلم والاضطهاد، ومن الجور والجوع والحرمان، وقاسوا من الجهل والفقر والتهميش، وقدموا في سنوات الاستعمار السوداء عشرات الآلاف من أبنائهم شهداءً، الذين ضحوا من أجل الوطن، وفي سبيل حريته، لكنهم تمكنوا من طرد الاستعمار الهولندي ومن بعده اليابان التي حاولت احتلال أوطانهم مدة ثلاثة سنوات، إلا أنها أمام صمود وإصرار الشعب الأندونيسي رحلت ولم تستطع البقاء، كما غارت هولندا وجيشها، وقد ظنت أنها باقية فيها إلى الأبد، وأنها لن ترحل عن أرضهم مدى العمر.

الأندونيسيون شعبٌ مكافحٌ جلدٌ صبورٌ، واثقٌ مؤمنٌ وغيور، يصدقون فلسطين النصح، ويتوجهون إليها بالدعاء، ويغدقون عليها بالعطاء، ويؤمنون أنها ستتحرر وستعود إلى أصحابها وسيعود إليها أهلها، تماماً كما تحررت أوطانهم ورحل الاستعمار عن بلادهم، وتجربتهم في هذا المسار كبيرة، وخبرتهم واسعة، وعقيدتهم راسخة، وها هي بلادهم عالية البنيان، منيعة الأسوار، واثقة الخطى، متقدمة العلوم، حديثة التطور، وقد نهضت وكبرت، وعظمت وقويت، وأصبح لها بين الأمم مكانةٌ وشأنٌ عظيمين، نفتخر بها ونعتز، وندعو الله لها ولشعبها بالرفعة والتمكين.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط