مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

فقيد فلسطين سماح إدريس

فقيد فلسطين سماح إدريس

تاريخ النشر: 2021-11-28 | 08:55

ودع لبنان ومعه فلسطين والعالم العربي والإنسانية جمعاء، فارسا متميزا من فرسان الفكر والكلمة المقترنة بالانخراط اليومي في النضال الوطني والقومي والإنساني، وهو المناضل والأديب والأكاديمي والمترجم والناقد المرحوم سماح إدريس، أحد أبرز مؤسسي حملة المقاطعة العربية والدولية، ومدير دار الآداب البيروتية، ومدير تحرير مجلتها الشهيرة "الآداب" التي أسسها والده الأديب القومي والتنويري المعروف سهيل إدريس في أواسط القرن الماضي.

رحل سماح وهو في أوج عطائه القومي والإنساني بعد صراع مرير مع مرض خبيث لم يمهله طويلا، لكنه قاومه بشجاعة، مثلما قاوم تيار الردّة والتطبيع، وكان حاضرا في جلّ النشاطات الوطنية اللبنانية والعربية والدولية المتصلة بحملات مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

سماح إدريس صاحب العبارة الشهيرة " إذا تخلينا عن فلسطين ...تخلينا عن أنفسنا" والتي تحولت إلى شعار يتحلق حوله عشرت الآلاف من مناهضي التطبيع، من المحيط إلى الخليج، عبارة ذكية ومكثفة تدلل على أن دعم النضال الفلسطيني ليس مجرد موقف تضامني مع الشعب الذي تعرض لأكبر ظلم في التاريخ الحديث، ولا محض انحياز أخلاقي لقيم العدالة والحرية، بل موقف مدافع عن كرامة كل شعب من شعوب أمتنا، ورافض لاستباحة الدول العربية وسيادتها، ومتمسك بحق شعوب أمتنا في صياغة مصيرها بحرية بعيدا عن قيود التبعية والهيمنة.

فلسطين أبّنت الراحل، بموجة عارمة من الحزن التي عمّت مواقع التواصل الاجتماعي، وبيانات الفصائل والحراكات الجماهيرية، وعشرات المقالات والكتابات في مختلف الصحف والمواقع الاليكترونية العربية، وفي ذلك بعض الوفاء لهذا الراحل الكبير الذي لم يبخل بشيء من أجل فلسطين، وهو يستحق أن يكرّم أكثر بإطلاق اسمه على شوارع أو مدارس أو مؤسسات، وهذه الموجة تظهر كم يحتاج شعبنا لمواقف وأصدقاء مثل سماح إدريس، وقد بات أمثاله أشبه بعملة نادرة في هذا الوقت الذي يسميه بعضنا "الزمن العربي الرديء"، في ظل انفراط عقد التضامن العربي، وشلل الجامعة العربية ومؤسساتها، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية، وانفضاض الأشقاء والاصدقاء عنها، وانكفاء كثير من الدول على همومها الذاتية ومشاكلها الداخلية. كل ذلك قاد إلى موجة التطبيع المجاني مع دولة الاحتلال التي يجري التعامل معها كدولة طبيعية، وهي في ذروة تطرفها اليميني ونزعتها الاستيطانية والتوسعية، وأطماعها المعلنة في أراضي ثلاث دول عربية، ومُضِيّها قُدُما في بناء وتوطيد نظام التمييز العنصري الصارخ في فلسطين.

استقطبت الثورة الفلسطينية المعاصرة في بداياتها كثيرا من المناضلين والمثقفين العرب والأجانب، فانتسبوا لها وناضلوا في صفوفها، وشمل ذلك جميع فصائل العمل الوطني من دون استثناء، بعض هؤلاء المناضلين قدّم حياته واستشهد في سبيل القضية التي انتمى لها، وبعضهم ظل في صفوف الثورة الفلسطينية ومؤسساتها لسنوات وعقود طويلة، فتبوأوا مناصب قيادية رفيعة، واكتسب بعضهم الهوية والجنسية الفلسطينية بعد عودة قيادات منظمة التحرير إلى أرض الوطن.

ولكن جاذبية الثورة والقضية الفلسطينية تراجعت بعد سلسلة الأحداث التي مرت بها وخاصة مع خروج قيادة المنظمة ومسلحيها من لبنان عام 1982، ثم توقيع اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات وقيود وواقع جديد، ثم التطورات الداخلية التي شهدتها تجربة بناء سلطة حكم ذاتي فلسطينية تحت الاحتلال، وما شاب هذه التجربة من ثغرات سواء بالعجز عن تحويل هذه السلطة إلى دولة، والانقسام الذي ابتلينا به، وتراجع المد القومي على امتداد العالم العربي، ونتائج حربي الخليج، كل ذلك ساهم في تراجع دعم القضية الفلسطينية وحوله من حالة جماهيرية إلى حالة نخبوية. طبعا لا يمكن أن نغفل الاستثناءات لهذه الحالة وخاصة فعاليات التضامن الواسعة والمليونيات التي طافت شوارع المدن العربية خلال الانتفاضة أو حتى خلال مواجهات شهر ايار الماضي، لكن ذلك لا يغير تشخيص الحالة التي ربما تنعكس في شكل تضامن العرب مع القضية الفلسطينية، من الانخراط اليومي المباشر إلى أشكال التضامن والهبات الموسمية.

عامل آخر ساهم بلا شك في هذه الحالة، وهو أن منظمة التحرير حين كان لها ما يشبه الدولة في لبنان "جمهورية الفاكهاني"، كانت لها مؤسساتها العسكرية والثقافية والإعلامية والبحثية القادرة على اجتذاب النخب والكفاءات العربية، حتى المعارضين المغضوب عليهم من أنظمتهم كانوا يجدون في الفصائل الفلسطينية عنوانا يلوذون به، هذه الحالة تراجعت بشكل حادّ بعد قيام السلطة إلى درجة يمكن القول معها أن كثيرا من المناضلين الفلسطينيين، وليس العرب فقط، ابتعدوا عن المنظمة ومؤسساتها ومشروعها السياسي.

الراحل سماح إدريس كان استثناء عن التوصيف السابق،  فهو لم يكن مجرد ناشط ومتضامن مع فلسطين، بل كان فاعلا في ميادين الثقافة والأدب والنشر والترجمة والكتابة، كما كان ناشطا في صفوف المجتمع المدني اللبناني. وهو انتسب إلى تيار النضال الوطني الفلسطيني، من بوابته العلمانية واليسارية على خطى تلاميذ الحكيم، بعد خروج منظمة التحرير وقيادتها من بيروت، وتوثق ارتباطه بفلسطين وقضيتها مع استشراء موجة التطبيع. وازداد سماح التصاقا بالفلسطينيين وعنوان وجودهم في لبنان "المخيم" في وقت سعت قوى طائفية وانعزالية لبنانية لشيطنة المخيم وتصوير الوجود الفلسطيني بانه سبب لكل مآسي لبنان ومشكلاته، فحرّضت على الفلسطينيين وعملت على حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، بينما ارتبط الراحل بمخيمات الثورة التي تحولت مخيمات للبؤس في لبنان، وصادَقَ أطفال المخيمات وتبنى قضايا المخيم كجزء من التزامه تجاه الشعب الفلسطيني، وهكذا بكاه فلسطينيو لبنان بكل الحزن والحب الذي يليق بمن ارتبط بهم وكرس حياته من أجلهم.

عزاؤنا في سماح إدريس أن من كان مثله لا يموت بسهولة حتى لو دفن جسده تحت التراب، بل سيبقى ذكره حاضرا في وجداننا وملهما لكل أنصار الحرية والعدالة الإنسانية على مرّ الأجيال.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط