مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة واقتصاد البقاء.. حين تتحول الأزمة إلى واقع دائم

غزة واقتصاد البقاء.. حين تتحول الأزمة إلى واقع دائم

تاريخ النشر: 2026-03-26 | 05:21

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

في ظل الأزمات الممتدة والمتراكمة التي يشهدها قطاع غزة، لم يعد الاقتصاد المحلي يعمل وفق قواعد الإنتاج والنمو التقليدية، بل تحوّل تدريجيًا إلى نموذج قائم على إدارة الأزمات والاستجابة الطارئة. هذا التحول لم يعد ظرفيا، بل أصبح الإطار الحاكم للنشاط الاقتصادي، حيث تتقدم أدوات الإغاثة والمساعدات الإنسانية على حساب الاستثمار والإنتاج، في بيئة تتسم بارتفاع عدم اليقين وتآكل مقومات التعافي الاقتصادي.
ويشير مفهوم “اقتصاد إدارة الأزمة” إلى نمط اقتصادي يتكيّف مع حالة عدم الاستقرار المزمنة، حيث تصبح الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية وضمان الحد الأدنى من الاستمرارية بدلا من تحقيق النمو المستدام.
وفي حالة غزة، يتجلى هذا النموذج بوضوح من خلال إعادة توجيه الموارد نحو الاستهلاك الطارئ، مقابل تراجع الاستثمار طويل الأجل، ما يعكس انتقال الاقتصاد من منطق التنمية إلى منطق البقاء.
وتكشف البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية عن عمق التحول نحو اقتصاد الأزمة في قطاع غزة:
    •    تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي (WFP) إلى أن نحو 77% من السكان يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع توقعات بتفاقم الأزمة خلال العام الجاري.
    •    ووفق البنك الدولي وتقارير التصنيف المرحلي للأمن الغذائي (IPC)، فإن ما يصل إلى 96% من السكان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم مئات الآلاف في مستويات كارثية.
    •    وتشير تقديرات سوق العمل إلى أن البطالة التي كانت بحدود 45% قبل الحرب ارتفعت بشكل غير مسبوق، لتصل إلى مستويات تقارب 80% في ظل الانهيار الاقتصادي.
    •    كما يوضح البنك الدولي أن الإنتاج المحلي تراجع بشكل حاد، مع شبه توقف للقطاع الزراعي وتدهور سلاسل الإمداد الغذائية. في المقابل، أصبح الاعتماد على المساعدات الإنسانية شبه كلي مع تراجع حاد في النشاط الإنتاجي والأسواق التجارية.
هذه المؤشرات لا تعكس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تدل على تحوّل هيكلي عميق نحو اقتصاد يعتمد على التدفقات الخارجية ويعاني من تآكل قاعدته الإنتاجية.
إن ترسيخ اقتصاد إدارة الأزمة في غزة لا يقتصر على المؤشرات الكلية، بل يمتد ليعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية:
أولا: تعميق التبعية الاقتصادية، حيث يعتمد الاقتصاد بشكل متزايد على المساعدات الخارجية بدلا من الإنتاج المحلي.
ثانيا: تآكل الطبقة الوسطى، نتيجة انهيار مصادر الدخل المستقرة واتساع رقعة الفقر.
ثالثا: انكماش الحوافز الاستثمارية، بسبب المخاطر المرتفعة وغياب بيئة اقتصادية مستقرة.
رابعا: إعادة إنتاج الفقر متعدد الأبعاد، حيث تتحول المساعدات من أداة إنقاذ مؤقت إلى عنصر دائم في الدورة الاقتصادية.
ورغم الأهمية الحيوية للمساعدات الإنسانية في منع الانهيار الكامل، إلا أن استمرارها دون دمجها ضمن إطار تنموي يخلق ما يمكن تسميته بـ”فخ الإغاثة”. إذ تتحول هذه المساعدات من جسر نحو التعافي إلى آلية لإدارة الأزمة واستدامتها.
وتشير تقارير برنامج الغذاء العالمي إلى أن النظام الغذائي والأسواق المحلية في غزة شهدت شبه انهيار، مع محدودية تدفق السلع وارتفاع الاعتماد على المساعدات، ما يعزز من هذا الفخ ويحد من فرص التعافي الذاتي.
ويتطلب الخروج من اقتصاد إدارة الأزمة تبني مقاربة متكاملة تقوم على:
    •    إعادة تفعيل القطاعات الإنتاجية، خصوصا الزراعة والصناعات الخفيفة.
    •    تحويل المساعدات إلى أدوات تنموية عبر ربطها ببرامج تشغيل وإنتاج.
    •    دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها الأكثر قدرة على التكيّف.
    •    تعزيز الاقتصاد المحلي وتقليل الاعتماد على التدفقات الخارجية.
    •    تخفيف القيود على الحركة والتجارة كشرط أساسي لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.
وفي ظل تعمّق المؤشرات الإنسانية والاقتصادية، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك جاد من الأطراف الراعية لأي تفاهمات أو اتفاقات ذات صلة بقطاع غزة، بما يضمن الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريا.
إن استمرار القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع وتعطل سلاسل الإمداد، يفرغان أي تدخل إنساني أو اقتصادي من مضمونه التنموي.
وعليه، فإن المطلوب لا يقتصر على تثبيت التهدئة، بل يتعداه إلى إيجاد آليات مستدامة تضمن انسياب السلع وإعادة تفعيل النشاط الإنتاجي وفتح المجال أمام التعافي الاقتصادي الحقيقي.
إن أي مقاربة لا تعالج جذور الاختلال ستبقي غزة رهينة لدورات متكررة من الانهيار والاستجابة الطارئة، دون أفق للاستقرار.
وبالتوازي مع العوامل الخارجية، كما تقع على عاتق الجهات المسؤولة داخل قطاع غزة مسؤولية أساسية في التخفيف من حدة الأزمة المعيشية، عبر تبني سياسات اقتصادية أكثر كفاءة وعدالة.
ويشمل ذلك تعزيز الرقابة على الأسواق للحد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وإعادة النظر في الأعباء الضريبية والرسوم بما يراعي القدرة الشرائية المتآكلة للمواطنين، وتفعيل أدوات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
كما أن دعم الشفافية في إدارة الموارد وتسهيل بيئة الأعمال للمشاريع الصغيرة، يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة قدر من التوازن في السوق المحلي.
إن تحسين الإدارة الاقتصادية الداخلية، رغم محدودية الإمكانات، يظل عنصرا حاسما في تعزيز صمود المجتمع.
وختاما، لم يعد اقتصاد إدارة الأزمة في غزة مجرد استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، بل أصبح نمطا بنيويا يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد والمجتمع.
وبينما تظل المساعدات الإنسانية ضرورة لا غنى عنها، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها من أداة لإدارة الأزمة إلى مدخل للتنمية المستدامة، وبدون هذا التحول، سيبقى الاقتصاد عالقا في دائرة مغلقة، تتكرر فيها الأزمات وتتجدد معها الحاجة إلى الاستجابة الطارئة، دون أفق حقيقي للخروج منها.

*محاضر في جامعة الأزهر- غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط