مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة... مدينة تكتب البقاء على حافة الغياب

غزة... مدينة تكتب البقاء على حافة الغياب

تاريخ النشر: 2026-05-18 | 11:51

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية الكبرى، تبدو غزة أكثر من مدينةٍ محاصرة أو جغرافيا منكوبة؛ تبدو نصًا فلسطينيًا مفتوحًا على الألم والصمود معًا، مدينةً تُعيد كل يوم تعريف معنى البقاء، وتكتب حكايتها بمداد الدم والذاكرة، كما لو أنها تُجسد ما كتبه محمود درويش حين قال: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». ففي غزة، لا تتحول العبارة إلى استعارة شعرية، بل إلى ممارسة يومية في مواجهة الإبادة والحصار والموت المستمر.

هنا، لا يبدو البحر مجرد أفقٍ أزرق، بل شاهدًا صامتًا على مدينة تعيش بين احتمالين دائمين: النجاة أو الفقدان. مدينة تُقاوم الغياب، فيما العالم يراقبها كخبرٍ عاجل، بينما يراها الفلسطينيون بوصفها قلب الحكاية الوطنية الأكثر وجعًا والأشد وضوحًا.

غزة، أقدم المدن الفلسطينية على ساحل المتوسط، لم تكن يومًا هامشًا جغرافيًا. فمنذ آلاف السنين شكّلت بوابة فلسطين البحرية وممرًا للحضارات والتجارة والثقافات. غير أن هذا الموقع ذاته جعلها، عبر التاريخ، عرضةً للحصار والغزو ومحاولات الإخضاع المتكررة. لكنها، في كل مرة، كانت تنهض من الرماد كما لو أنها خُلقت لتختبر معنى الصمود الإنساني.

ومع نكبة عام 1948، تغيّرت ملامح المدينة جذريًا. تدفقت إليها موجات اللاجئين الفلسطينيين من القرى والمدن المدمرة، فتحولت غزة إلى ملاذٍ للفقد الجماعي، وإلى ذاكرة وطنية مكتظة بالاقتلاع والحنين. منذ ذلك الحين، لم تعد غزة مجرد مدينة، بل أصبحت مخيمًا فلسطينيًا كبيرًا للذاكرة، تختلط فيه أسماء القرى المهجّرة بأسماء الشوارع والأحياء وأحلام الناس البسطاء.

ولعل الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، ابن غزة، كان من أكثر من عبّروا عن روح هذه المدينة، حين كتب عن الفقراء والمنفيين والمقهورين الذين يصنعون الحياة من قلب العتمة. فغزة التي كتبها بسيسو ليست مدينةً منكوبة فقط، بل مدينة مشتبكة دائمًا مع الحرية، تعرف كيف تُحوّل الخبز القليل إلى كرامة، والحصار إلى سردية مقاومة.

وفي العقود الأخيرة، تعرّضت غزة لسلسلة طويلة من الحروب والحصار والعمليات العسكرية التي أعادت تشكيلها بالقوة والنار. غير أن ما يلفت النظر ليس حجم الدمار وحده، بل تلك القدرة المذهلة لدى الناس على ترميم الحياة في كل مرة. فبين الأبنية المهدمة، تستمر الأسواق بالعمل، وتفتح المدارس أبوابها، وتواصل الجامعات تخريج أجيال جديدة تؤمن بأن المستقبل ليس ترفًا مؤجلًا، بل حقًا يجب انتزاعه.

هذا التناقض بين الموت والحياة هو ما يجعل غزة حالة إنسانية فريدة. مدينة تُنتج الحياة من داخل الركام، وتحمل في تفاصيلها اليومية ما يشبه قصائد فدوى طوقان التي رأت في فلسطين أمًا جريحة لا تتوقف عن الولادة، وما يشبه صرخات سميح القاسم وهو يكتب عن التمسك بالأرض والهوية في مواجهة الاقتلاع.

ورغم الدور الإنساني الذي تقوم به المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فإن الحياة في غزة ما تزال محكومة بتعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية تجعل البقاء نفسه معركة يومية. ومع ذلك، يواصل الغزيون اختراع أشكالهم الخاصة للحياة: من الباعة المتجولين إلى الصيادين، ومن الأطفال الذين يركضون بين الأزقة إلى الأمهات اللواتي يخبزن الأمل مع الخبز.

اقتصاديًا، كانت غزة تاريخيًا مركزًا زراعيًا وتجاريًا مهمًا، يعتمد على الزراعة الساحلية والتجارة عبر المتوسط والصناعات الصغيرة. لكن سنوات الحصار الطويلة أضعفت البنية الاقتصادية وأدخلت المجتمع في أزمات متلاحقة، دفعت الناس للاعتماد على المبادرات الفردية والاقتصاد غير الرسمي كوسيلة للبقاء.

ومع ذلك، فإن ما يميز غزة حقًا ليس حجم المأساة، بل قدرتها المستمرة على إعادة تعريف نفسها. فهي لا تُختصر في صور الحرب والدمار، بل في قدرتها على تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى فعل مقاومة يومي. وكأنها تُعيد، كل يوم، كتابة الرواية الفلسطينية بلغة البشر العاديين الذين يرفضون الاستسلام.

وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، تبدو غزة وكأنها المرآة الأكثر قسوة وصدقًا لفلسطين كلها: وطنٌ يُحاصر لكنه لا يختفي، شعبٌ يُقتلع لكنه لا يفقد ذاكرته، ومدينةٌ تُصرّ، رغم كل شيء، على أن تكون أكثر من ضحية وأكثر من رقم في نشرات الأخبار. إنها مدينة تكتب البقاء كل يوم، وتُعلّم العالم أن الفلسطيني، حتى وهو محاصر بين البحر والركام، ما زال قادرًا على صناعة الحياة.

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط