مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة ما بين الضرورة والحق: قراءة في الممكن السياسي.

غزة ما بين الضرورة والحق: قراءة في الممكن السياسي.

تاريخ النشر: 2026-01-22 | 14:15

لا يستطيع أحد أن يمنع الشعب الفلسطيني من المطالبة بحقه في تقرير مصيره والحفاظ على هويته الوطنية. قرنٌ كامل من التجربة التاريخية أثبت أن هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يُمحى بالهزائم المؤقتة. كما لا يمكن تخيّل أن الفلسطيني، في أي بقعة من بقاع وجوده، قادر على التعايش مع احتلال استيطاني إحلالي، حتى لو وُجدت – نظريًا – إرادة لذلك. فطبيعة هذا الاحتلال تفرض الصدام، وتجعل المقاومة نتيجة طبيعية لا مجرد خيار سياسي.
غير أن قراءة تجربة النضال الفلسطيني بعمق تكشف حقيقة أساسية غالبًا ما يتم تجاوزها: ذُرى المواجهة الفلسطينية، من ثورات وانتفاضات، لم تنطلق إلا حين توفّر حدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي يلبّي الاحتياجات الإنسانية الأساسية. لا يمكن لشعبٍ أن يقاتل وهو جائع، مشرّد، بلا مأوى أو أفق. وتجربة تأخر انطلاق النضال الثوري المنظم بعد نكبة عام 1948 حتى منتصف ستينيات القرن الماضي تمثّل دليلًا تاريخيًا واضحًا على هذه القاعدة.
انطلاقًا من هذه المحددات الثلاثة – حق تقرير المصير، استحالة التعايش مع الاحتلال، وارتباط النضال بشروط الحياة – يجب مقاربة ما يُطرح اليوم من خطط تتعلق بمستقبل غزة، سواء ما عُرف بخطة ترامب، أو ما يُتداول حول “مجلس السلام”، أو اللجنة الإدارية المقترحة لإدارة القطاع.
من غير الواقعي الافتراض أن الفلسطينيين اختاروا هذه المسارات بإرادتهم الحرة. ما يجري هو نتاج مباشر للحرب، ولاختلال موازين القوة، ولحجم الخسائر الإنسانية والمادية الهائلة. وعليه، فإن التعاطي مع هذا الواقع يجب أن يكون ضمن سقوف سياسية واقعية، حتى وإن كانت منخفضة جدًا في المرحلة الراهنة.
هل يعني ذلك الاستسلام للإرادة الأمريكية أو الإسرائيلية؟ بالتأكيد لا. لكنه يعني إعادة ترتيب الأولويات: الشعب أولًا، ثم القضية، دون فصل بينهما. غزة اليوم بحاجة إلى التعافي، إلى استعادة الحد الأدنى من التوازن الإنساني، وإلى زراعة الأمل بإمكانية البقاء على الأرض. فبقاء الفلسطيني في غزة هو الشرط الأول لأي مسار نضالي مستقبلي، ولذلك يصبح التعاطي مع مشاريع الإعمار – رغم شروطها المجحفة – ممرًا إجباريًا في هذه المرحلة للحفاظ على هذا الهدف.
إن بقاء الفلسطيني على أرضه يُبقي إمكانية تجدد المقاومة قائمة. فالمقاومة ليست فعلًا دائمًا بالوتيرة نفسها، بل حالة تاريخية تتفاعل مع شروط الواقع. قد تتراجع مرحليًا، وقد تعود بأشكال وأدوات مختلفة، وبعناوين تتناسب مع تحولات المجتمع الفلسطيني وحركة التاريخ.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة اللجنة الإدارية في غزة بوصفها إحدى أكثر القضايا حساسية وخطورة. إن الزجّ باللجنة الإدارية في الملفات السياسية، أو تقديمها بوصفها ممثلًا عن الشعب الفلسطيني في غزة، لا يشكّل خطأً إداريًا أو تجاوزًا شكليًا فحسب، بل يمثّل خطرًا وطنيًا بالغًا يمهّد الطريق لتذويب القضية الفلسطينية نفسها. فهذا المسار يحوّل القضية من قضية تحرر وحقوق وطنية إلى قضية فنية–إنسانية، تُختزل مهمتها في توفير سبل الحياة اليومية لمجموعة سكانية محاصَرة في رقعة جغرافية محدودة.
والأخطر من ذلك أن هذا التوجّه يؤدي عمليًا إلى إضعاف، بل تفكيك، الأطر السياسية الفلسطينية الرسمية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية، وحتى الفصائل السياسية، عبر القفز عنها واستبدالها بهيئات إدارية منزوعة البعد السياسي. وبهذا يصبح الخطاب الفلسطيني أمام العالم محصورًا في ملف الاحتياجات الإنسانية، بدلًا من كونه خطاب حقوق وطنية وسياسية، وهو ما يخدم – موضوعيًا – الرؤية الإسرائيلية والدولية الساعية إلى إدارة الصراع بدل إنهائه.
في الوقت ذاته، تتكاثر الفخاخ التي تُنصب للقضية الفلسطينية، من الوصاية الدولية، إلى محاولات التذويب، وصولًا إلى شعار “نزع السلاح”. وهنا لا بد من التمييز بين مستويين مختلفين:
الأول، نزع السلاح كإعلان سياسي وأخلاقي بتجريم المقاومة والتخلي عنها، وهو أمر لا يمكن لأي فلسطيني عاقل القبول به.
الثاني، نزع السلاح كإجراء لوجستي مرحلي تفرضه نتائج الحرب ومتطلبات الواقع الجديد. في هذه الحالة، يمكن التعاطي معه باعتباره تنازلًا تكتيكيًا مؤقتًا، لا يمس الحق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. فالسلاح في جوهره أداة، أما أساس المقاومة فهو الفكرة والإرادة.
في الخلاصة، نحن أمام مرحلة قاسية من تاريخ القضية الفلسطينية، مرحلة تُفرض فيها خيارات شديدة الصعوبة، أقرب إلى اختيار الأسوأ من بين السيّئ. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الهدف هو تمرير العاصفة بأقل الخسائر الممكنة، والحفاظ على الإنسان الفلسطيني على أرضه، وعلى البنية السياسية للقضية، إلى أن تتغير موازين القوة وتعود القدرة على فرض معادلات جديدة.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط