مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة... ما بعد الحرب ومعركة استعادة المشروع الوطني

غزة...  ما بعد الحرب ومعركة استعادة المشروع الوطني

تاريخ النشر: 2026-08-03 | 11:18

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس
لم تعد الحرب على غزة مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحركة حماس، ولا مجرد كارثة إنسانية غير مسبوقة، بل تحولت إلى لحظة سياسية فارقة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، وتفرض معادلات جديدة على الإقليم والمجتمع الدولي. فالحروب الكبرى لا تكتفي بتغيير موازين القوة، بل تعيد صياغة خرائط السياسة، وتفرض أسئلة لم يعد بالإمكان الهروب منها. اليوم، وبعد ما شهده قطاع غزة من دمار هائل وخسائر بشرية ومعاناة إنسانية غير مسبوقة، ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات انتقالية، ولجنة فلسطينية لإدارة القطاع، وترتيبات أمنية بإسناد دولي، يبدو واضحاً أن مرحلة تاريخية شارفت على نهايتها، وأن مرحلة جديدة تتشكل ملامحها. غير أن نجاح هذه المرحلة لن يتوقف على طبيعة الإدارة المقبلة أو شكل الترتيبات الأمنية، بل على قدرة الفلسطينيين على استعادة مشروعهم الوطني وإعادة بناء نظامهم السياسي على أسس الوحدة والشرعية والشراكة. لقد سعت إسرائيل، منذ اندلاع الحرب، إلى تحقيق أهداف أمنية وعسكرية واضحة، أهمها إضعاف القدرات العسكرية لحماس ومنع تكرار الهجمات التي تعرضت لها. إلا أن التجربة أثبتت أن الإنجاز العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يقدم وحده إجابة عن السؤال السياسي: من يدير غزة، وكيف يمكن تحقيق استقرار دائم من دون معالجة جذور الصراع؟ ولذلك تبدو إسرائيل معنية بترتيبات أمنية تضمن مصالحها، لكنها لا تزال متحفظة تجاه أي مسار سياسي قد يقود إلى قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة. أما الولايات المتحدة، فتدرك أن استمرار الحرب يهدد استقرار المنطقة ويضعف فرص التسوية، ولذلك تدفع نحو ترتيبات انتقالية تسمح بوقف القتال، وإطلاق إعادة الإعمار، وإيجاد إدارة فلسطينية قادرة على تحمل مسؤولياتها. غير أن نجاح أي جهد أمريكي سيبقى مرهوناً بقدرته على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وفتح أفق سياسي جاد يفضي إلى سلام عادل ومستدام. وفي المقابل، ركزت الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر، على ثلاث أولويات مترابطة: وقف الحرب، ورفض تهجير الفلسطينيين، والتأكيد أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المنشودة. كما ربطت إعادة الإعمار بوجود أفق سياسي يحفظ وحدة الأرض الفلسطينية، ويمنع تكريس الانقسام أو فرض حلول انتقالية تتحول إلى واقع دائم. أما إيران، فإنها تنظر إلى التطورات من زاوية أوسع تتصل بتوازنات الإقليم ودورها فيه. ومن المرجح أن تتابع بحذر أي ترتيبات جديدة قد تؤثر في نفوذها وعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية. وفي جميع الأحوال، فإن انتقال الصراع من المواجهة العسكرية إلى ترتيبات سياسية سيضع مختلف القوى الإقليمية أمام معادلات جديدة تختلف عن معادلات سنوات الحرب. وعلى الصعيد الفلسطيني، تقف حركة حماس أمام مراجعة هي الأهم منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007. فالحرب أعادت طرح أسئلة تتعلق بالعلاقة بين المقاومة والعمل السياسي، وبين إدارة السلطة ومتطلبات الشراكة الوطنية. كما أن السلطة الفلسطينية تجد نفسها أمام اختبار لا يقل صعوبة، إذ إن عودتها إلى غزة، إن تمت، لن تكتسب مشروعيتها من وجودها الإداري، بل من قدرتها على استعادة ثقة المواطنين، وإنجاز إصلاحات حقيقية، وتجديد الشرعيات، وتعزيز سيادة القانون. غير أن اختزال مستقبل غزة في العلاقة بين السلطة وحماس سيكون خطأً استراتيجياً. فالقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأوسع من أي سلطة. وما تفرضه المرحلة ليس مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني كله، على قاعدة الشراكة والديمقراطية ووحدة القرار الوطني. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها، بما يعزز دورها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، ويتيح مشاركة أوسع لمكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. كما تبرز أهمية الاحتكام إلى الانتخابات بوصفها الوسيلة الديمقراطية لتجديد الشرعيات، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية. إن إعادة إعمار غزة ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل مشروع لإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والثقة. فلا قيمة لإعادة تشييد المدن إذا بقي النظام السياسي منقسماً، ولا جدوى من المساعدات إذا لم تُستثمر في ترسيخ الاستقرار والوحدة والتنمية. فالتجارب تؤكد أن الإعمار الحقيقي يبدأ عندما تتوافر مؤسسات شرعية، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية جامعة. لقد كشفت الحرب حدود القوة العسكرية، كما كشفت حدود الانقسام الفلسطيني. فلا إسرائيل استطاعت أن تحسم الصراع بالقوة وحدها، ولا الفلسطينيون استطاعوا حماية مشروعهم الوطني في ظل استمرار الانقسام. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب لا يتمثل في تشكيل لجنة انتقالية أو نشر قوة دولية، بل في قدرة الفلسطينيين على تحويل هذه اللحظة إلى بداية جديدة تعيد الاعتبار لمشروعهم الوطني. إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الحرب ليس أن تختلف القوى الدولية على مستقبل غزة، بل أن يعجز الفلسطينيون عن الاتفاق على مستقبلهم هم. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تضيع لحظاتها الفاصلة، وغزة اليوم ليست مجرد جرح مفتوح، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس الوحدة، والشرعية، والشراكة، وتجديد المؤسسات. فإذا أحسن الفلسطينيون استثمار هذه اللحظة، فقد تتحول التضحيات الجسيمة التي قدمها شعب غزة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة تستعيد فيها القضية الفلسطينية حضورها وقوتها ووحدتها. أما إذا عادت الانقسامات، وغلبت المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية، فإن الحرب، على فداحتها، لن تكون سوى محطة أخرى في مسار طويل من الاستنزاف. إن معركة الفلسطينيين الحقيقية لم تعد تقتصر على إنهاء الحرب، بل أصبحت معركة استعادة المشروع الوطني، وبناء شراكة سياسية قادرة على تحويل صمود الشعب الفلسطيني إلى إنجاز سياسي دائم، يفضي إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق الشرعية الدولية.
×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط