مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة تُقصف مرتين: مرة بالسلاح ومرة بتدمير المستقبل•

غزة تُقصف مرتين: مرة بالسلاح ومرة بتدمير المستقبل•

تاريخ النشر: 2026-01-22 | 08:02

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

لم تكن حرب الإبادة التي تعرّض لها قطاع غزة مجرد تصعيد عسكري محدود، بل شكّلت تحوّلًا كارثيًا شاملًا طال الإنسان والاقتصاد والمجتمع في آن واحد. فقد أدّت هذه الحرب إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية والقدرات الإنتاجية، وأعادت القطاع عقودًا إلى الوراء، مؤكدةً ما خلص إليه تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد – UNCTAD) بأن غزة فقدت ما يقارب 22 عامًا من مسار التنمية، وأن أزمتها الاقتصادية تُصنَّف ضمن أسوأ عشر أزمات اقتصادية عالميًا منذ عام 1960.

هذا التوصيف لا يعبّر عن حجم الدمار المادي فحسب، بل يكشف عن تفكك شامل في البنية الاقتصادية والاجتماعية. فمفهوم “خسارة 22 عامًا من التنمية” يعني عمليًا أن مستويات الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدخل الحقيقي، والخدمات الأساسية، وفرص العمل، تراجعت إلى ما دون مستوياتها قبل أكثر من عقدين. أي أن غزة لم تخسر فرص النمو المستقبلية فقط، بل دُمّر ما راكمته خلال سنوات طويلة من استثمار محدود في الإنسان والبنية الاجتماعية.

لقد أدّت حرب الإبادة إلى انهيار شبه كامل للاقتصاد المحلي. توقفت غالبية الأنشطة الإنتاجية، ودُمّرت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية والزراعية، وتلاشى مصدر الدخل لمئات آلاف الأسر خلال فترة زمنية قصيرة. ومع التدمير الواسع لشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق، باتت مقومات الحياة الاقتصادية غير قابلة للعمل، وتحولت غزة إلى اقتصاد مشلول يعتمد بشكل شبه مطلق على المساعدات الإنسانية الطارئة.

وانعكس ذلك مباشرة على المؤشرات الاجتماعية؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 85%، وهي من الأعلى عالميًا، فيما بات قرابة 90% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والدواء والمأوى. كما اتسعت دائرة الفقر لتشمل الغالبية الساحقة من السكان، في مشهد يعكس تفكيك الطبقة الوسطى بالكامل وتحويل المجتمع إلى كتلة واسعة من الفقراء المعتمدين على الإغاثة من أجل البقاء.

أما الأثر الأخطر لحرب الإبادة فيتمثل في تدمير رأس المال البشري. فقد تعطّل التعليم على نطاق واسع نتيجة استهداف المدارس والجامعات ومراكز التدريب، وحُرم مئات آلاف الطلبة من حقهم في التعليم المنتظم. كما تعرّض القطاع الصحي لانهيار وظيفي حاد بفعل استهداف المستشفيات والمراكز الطبية، ونقص الأدوية والمستلزمات والوقود، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الوفيات والأمراض، وتراجع متوسط العمر المتوقع، وهي خسائر تنموية لا تُقاس بالأموال وحدها.

وفي السياق ذاته، تواصل إسرائيل الضرب بعرض الحائط بالمواثيق والقوانين الدولية، وتمارس سياسة التجويع كسلاح حرب، من خلال القيود المشددة على إدخال الغذاء والدواء والوقود. فوفق التقديرات الإنسانية، لا يُسمح بدخول أكثر من 30% فقط من الاحتياجات الأساسية لقطاع غزة، ما يضع أكثر من مليوني إنسان في مواجهة خطر الجوع وسوء التغذية، ويحوّل الأزمة الإنسانية إلى كارثة ممنهجة وليست نتيجة جانبية للحرب.

وتترافق هذه السياسات مع حصيلة بشرية غير مسبوقة، حيث أسفرت حرب الإبادة عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين، فضلًا عن آلاف الأسرى الذين تمارس بحقهم داخل السجون الإسرائيلية أساليب قمع ومعاملة عنصرية تستحضر في جوهرها ممارسات التفوق العرقي والاضطهاد الجماعي التي عرفها التاريخ الحديث، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

ولا تمثّل هذه الأرقام مأساة إنسانية فحسب، بل تعكس نزيفًا هائلًا ومستمرًا في رأس المال البشري، وتدميرًا مباشرًا لأسس التنمية الحاضرة والمستقبلية، بما يحوّل الخسارة الديمغرافية إلى عامل إضافي لتعميق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

وتُظهر التجربة الغزية أن مسار التنمية في ظل الحصار والاحتلال كان هشًّا بطبيعته. فقد تحقق في فترات سابقة تحسن نسبي في بعض القطاعات الخدمية، إلا أنه ظل قائمًا على التمويل الخارجي والمشاريع المؤقتة، دون بناء قاعدة إنتاجية مستقلة أو سيطرة على الموارد والمعابر. وجاءت حرب الإبادة لتكشف حدود هذا النمو الهش، حيث جرى نسف ما تبقى من بنية اقتصادية في غضون أشهر.

إن إدراج غزة ضمن أسوأ عشر أزمات اقتصادية عالميًا منذ ستينيات القرن الماضي يجد تفسيره في الطابع المركّب والمزمن للأزمة: حصار طويل الأمد، تدمير دوري للبنية التحتية، بطالة وفقر بنيويان، اعتماد شبه كامل على المساعدات، وانعدام شبه تام للأفق الاقتصادي. فبعكس العديد من الدول التي شهدت أزمات حادة ثم تعافت، تواجه غزة أزمة مفتوحة بلا أفق زمني واضح، ما يحوّل الانهيار إلى حالة دائمة لا استثناء عابرًا.

وتشير تقديرات أولية إلى أن إعادة إعمار غزة واستعادة الحد الأدنى من مقومات التنمية قد تتطلب ما بين 10 إلى 15 عامًا، وذلك في حال توفرت بيئة سياسية وأمنية مختلفة جذريًا، تشمل رفع الحصار، وضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، وإعادة بناء شاملة للبنية التحتية، وتمكين الاقتصاد المحلي من العمل بصورة طبيعية. غير أن أي حديث عن التعافي سيبقى نظريًا ما لم يقترن بحد أدنى من السيادة الاقتصادية، لأن إعادة إنتاج الواقع القائم تعني إعادة إنتاج الانهيار ذاته.

في الخلاصة، لا يمكن اختزال ما جرى في غزة في أرقام الخسائر المادية أو سنوات التنمية الضائعة، بل يجب فهمه بوصفه جريمة تدمير ممنهج لحق شعب بأكمله في التنمية والحياة الكريمة. وما لم يُعالج أصل الأزمة المتمثل في الاحتلال والحصار وسياسات الإبادة والتجويع، سيبقى الإعمار مجرد إدارة إنسانية للألم، لا مسارًا حقيقيًا لبناء اقتصاد ومجتمع قابلين للحياه والاستمرار

*عضو الامانه العامه لاتحاد الاقتصاديين 
عضو المكتب السياسي للجبهه الديمقراطيه لتحرير فلسطين 

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط