مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة بين ويلات التصعيد ورهانات الورقة الأخيرة

غزة بين ويلات التصعيد ورهانات الورقة الأخيرة

تاريخ النشر: 2025-10-29 | 13:57

ما بين مطرقة الدمار وسندان التباينات السياسية، يقف قطاع غزة اليوم على مفترق طرق مأساوي، حيث يمتزج صوت القصف المتجدد - كما شهدناه بالأمس القريب في خرق واضح لهدنة لم تُزهر بعد - بأصداء المؤتمرات والوعود الدولية لإعادة الإعمار. المشهد يبدو كحلقة مفرغة، تتجسد فيها مأساة شعب محاصر يئن تحت وطأة الخراب، وتُعقد فيها الحسابات الاستراتيجية التي تُعلي من شأن "الأوراق" التفاوضية على حساب ضرورات الحياة اليومية.

لقد كشفت التطورات الأخيرة للحرب الإسرائيلية الفلسطينية، وما تبعها من مفاوضات إقليمية مكثفة، أبرزها تلك التي احتضنتها شرم الشيخ، عن حقيقة مريرة: وهي أن وقف الأعمال العدائية مؤقتًا شيء، وإرساء أسس استقرار مستدام شيء آخر تمامًا. فبينما تسعى مصر والأردن وقطر وجهات دولية أخرى إلى تثبيت الهدوء والدفع بخطط إنعاش اقتصادي شاملة لغزة، نجد أن كل تلك الجهود تتعثر أمام نقطة شائكة محورية: ملف رفات الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة حماس.

منذ اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار، كان الربط بين إعادة الإعمار وإحراز تقدم في ملف تبادل الأسرى (بما في ذلك تسليم الجثامين) واضحًا في الكواليس الدبلوماسية. الدول المانحة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بالإضافة إلى جهات إقليمية فاعلة، تنظر إلى هذا الملف ليس فقط من زاوية إنسانية، بل كـ "مؤشر ثقة" ضروري لضمان أن الأموال الطائلة التي ستُضخ لإعادة بناء القطاع لن تذهب سُدى في جولة قتال جديدة قادمة. إنهم يشترطون بيئة مستقرة سياسيًا وأمنيًا.

في هذا السياق، يأتي موقف حماس الرافض للتعاطي مع هذا الملف إلا بـ "ثمن باهظ" يمثل عائقًا رئيسيًا أمام تفعيل خطط الإعمار الشاملة. لا يمكن لأحد أن يلوم حماس على استغلال ورقة بهذا الثقل الاستراتيجي لتحقيق أهدافها، خاصة الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وهو هدف وطني أصيل. فـ المقاومة ترى في هذه الرفات مفتاحًا لتحرير مئات من أبنائها يقبعون في السجون الإسرائيلية، وهي لا ترغب في إهدار هذه الفرصة التفاوضية النادرة.

لكن، وفي إطار نقد موضوعي لا يُقصد به التقليل من شرعية المقاومة، بل يهدف إلى خدمة مصالح الشعب الفلسطيني في غزة تحديداً، يجب طرح سؤال استراتيجي: هل التمسك المطلق بهذه الورقة في هذا التوقيت هو الخيار الأمثل؟ إن رفض إبرام اتفاق مرحلي، أو حتى التوصل إلى تفاهمات واضحة تُطلق عجلة الإعمار، يضع الحركة في موقف تتعارض فيه الأولويات. فالأهالي في غزة ليسوا بحاجة إلى المزيد من الوعود، بقدر حاجتهم إلى سقف يقيهم المطر، وإلى مستشفى يعمل بكامل طاقته، وإلى إعادة فتح آفاق اقتصادية شبه منعدمة.

إن تجميد مليارات الدولارات المخصصة للبناء، بسبب التشدد في ملف الأسرى قبل الأوان، يمثل ضغطًا هائلاً على كاهل المدنيين، ويُطيل أمد معاناتهم، بل ويُعطي ذريعة للأطراف الإسرائيلية لـ تجديد الضربات - كما حدث بالأمس - بحجة "عدم الاستقرار" أو "خرق التفاهمات". فكل تأخير في الإعمار هو خدمة مباشرة لمن يسعى إلى إبقاء غزة في حالة دائمة من الوهن والاحتياج.

إن الحكمة تقتضي الموازنة بين الضرورة الإنسانية الملحة في غزة، وبين المكسب الاستراتيجي من ورقة الأسرى. كان بالإمكان، ولا يزال، الدفع باتجاه آلية تفاوضية تضمن إطلاق عملية الإعمار فورًا، مقابل التزام واضح وموثق من حماس بالبدء بتبادل مرحلي، أو على الأقل، بوضع إطار زمني واضح لحل ملف الجثامين ضمن صفقة شاملة. هذا النهج كان سيُظهر حماس بموقف أكثر مسؤولية تجاه شعبها أمام المجتمع الدولي، ويدفع باتجاه إحراج الطرف الإسرائيلي لتقديم تنازلات أكبر.

إن ما شهدناه في مفاوضات شرم الشيخ وغيرها من لقاءات يُظهر أن الأطراف الإقليمية مستعدة لضمان التزامات مالية وسياسية ضخمة، لكنهم بحاجة إلى "ضوء أخضر" يضمن عدم انهيار هذا الترتيب الأمني والإنساني الجديد. واستمرار حماس في ربط كل خيط من خيوط الإعمار بصفقة كاملة، يُبقي القطاع رهينة التجاذبات، وهو ما يدفع ثمنه المواطن الفلسطيني يوميًا.

على صناع القرار في غزة أن يدركوا أن إعادة بناء غزة ليست مجرد "هبة" يمكن التغاضي عنها، بل هي بنية تحتية للصمود والمقاومة ذاتها. فلا يمكن للمقاومة أن تستمر وتزدهر وسط شعب جائع ومدمر البنى التحتية. إنها دعوة لإعادة ترتيب الأولويات بمسؤولية تاريخية، تضع الإغاثة والإعمار في المسار السريع، وتستثمر ورقة الأسرى بذكاء يحقق المكاسب الوطنية دون أن يُرهن مصير ملايين البشر للمجهول.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط