مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة بين حسابات بقاء الحركة ومتطلبات التعافي الوطني

غزة بين حسابات بقاء الحركة ومتطلبات التعافي الوطني

تاريخ النشر: 2026-08-04 | 13:22

عبد الباري فياض
عبد الباري فياض

لا تبدو معركة غزة في مرحلتها الحالية مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار أو بترتيبات تبادل الأسرى، وإنما باتت مرتبطة بصورة أكبر بالسؤال الأصعب: من سيدير القطاع بعد الحرب، وبأي أدوات، ولأي هدف؟ فكلما اقتربت المفاوضات من بحث المرحلة التالية، عاد ملف الحكم إلى الواجهة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لوقف دورة الحرب والبدء في إعادة بناء ما دمرته المواجهات.

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن إعادة إعمار غزة لن تكون عملية فنية تقتصر على إزالة الركام وبناء المنازل والمستشفيات والمدارس، وإنما تحتاج إلى سلطة مدنية قادرة على إدارة التمويل الدولي، وتنظيم الخدمات، وضبط المؤسسات، وتوفير بيئة أمنية وسياسية تمنح الجهات المانحة ثقة بإمكانية استمرار مشاريعها. ومن الصعب تحقيق ذلك في ظل تعدد مراكز القرار أو استمرار التداخل بين الإدارة المدنية والنفوذ العسكري للفصائل.

وفي هذا السياق، يمثل إعلان حركة حماس في يوليو الماضي حل الهيئة الحكومية التي كانت تدير القطاع، تمهيدًا لنقل المسؤوليات المدنية إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، تحولًا مهمًا في شكل إدارة غزة. فالخطوة تعني، على الأقل من الناحية الإدارية، قبولًا بالابتعاد عن إدارة القطاع بصورة مباشرة وفتح الطريق أمام صيغة مدنية جديدة. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل يعني التخلي عن الإدارة الحكومية التخلي عن أدوات النفوذ التي يمكن أن تمنح الحركة قدرة فعلية على التأثير في القرار داخل القطاع؟

هنا تحديدًا تظهر إشكالية "بقاء الحركة". فمن الطبيعي أن تسعى حماس، مثل أي تنظيم سياسي، إلى الحفاظ على حضورها ووجودها في المشهد الفلسطيني. لكن هذا السعي يصبح محل اختبار عندما يتعارض مع متطلبات مرحلة استثنائية تحتاج فيها غزة إلى إدارة مستقلة وقادرة على التعامل مع المجتمع الدولي والجهات المانحة، وإلى قرار أمني وسياسي واضح لا تتعدد داخله مراكز القوة.

ولذلك فإن المشكلة ليست في أن تبقى حماس جزءًا من الحياة السياسية الفلسطينية، وإنما في أن يتحول استمرار نفوذها العسكري أو الإداري إلى عائق أمام قيام سلطة مدنية موحدة. فالانتقال من إدارة القطاع إلى المشاركة السياسية يقتضي فصلًا واضحًا بين العمل السياسي وأدوات القوة، وإلا فإن تغيير شكل الحكومة لن يكون كافيًا لتغيير طبيعة الحكم.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع ملف السلاح. فالمفاوضات الأخيرة شهدت تطورات مهمة بشأن نزع سلاح حماس ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة، وتحدثت واشنطن عن تقدم في هذا المسار، لكن التفاصيل ما زالت محل خلاف، خصوصًا حول آلية التنفيذ وتسلسل الخطوات وعلاقة نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تربط الانسحاب بإتمام عملية نزع السلاح، بينما تتمسك حماس بربط الخطوة بالتزامات إسرائيلية مقابلة.

وهذا يعني أن مستقبل إعادة الإعمار مرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الحكم. فالمجتمع الدولي يستطيع المساهمة في تمويل إعادة بناء غزة، لكنه يحتاج إلى جهة فلسطينية واضحة تضمن إدارة الأموال والمشروعات، وإلى بيئة أمنية تمنع تحويل البنية التحتية التي يعاد بناؤها إلى أهداف جديدة في صراع متجدد. ولذلك فإن استمرار السلاح خارج إطار سلطة وطنية موحدة سيظل عاملًا يثير مخاوف المانحين ويعقد عملية التعافي، حتى لو انتقلت الإدارة المدنية رسميًا إلى لجنة تكنوقراط.

لكن تحميل حماس وحدها مسؤولية تعقيد الطريق إلى الإعمار سيكون تبسيطًا للمشهد. فإسرائيل تتحمل بدورها مسؤولية أساسية عن خلق البيئة التي تسمح بعودة الحياة إلى القطاع، سواء من خلال وقف العمليات العسكرية أو تحديد إطار واضح للانسحاب وفتح المجال أمام إعادة الإعمار. ولا يمكن مطالبة غزة بالاستقرار في الوقت الذي تبقى فيه احتمالات تجدد القتال قائمة.

مع ذلك، فإن هذا لا يلغي السؤال الفلسطيني الداخلي: هل تستطيع القوى الفلسطينية، وحماس في مقدمتها، وضع متطلبات المجتمع فوق الحسابات التنظيمية؟ غزة بعد الحرب ليست غزة التي كانت قبلها. حجم الدمار، والاحتياجات الإنسانية، والاعتماد المتوقع على التمويل الخارجي، كلها تجعل استمرار النموذج السابق للحكم أمرًا بالغ الصعوبة. ولذلك تبدو الحاجة أكبر إلى إدارة مدنية مهنية لا تكون خاضعة لأي فصيل، وتستند في الوقت نفسه إلى إطار فلسطيني أوسع يحظى بالشرعية والدعم العربي والدولي.

ولا يعني هذا بالضرورة إقصاء حماس من المستقبل السياسي. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على إلغاء طرف فلسطيني، وإنما على وضع قواعد جديدة تمنع احتكار أي فصيل للإدارة أو السلاح. وإذا استطاعت الحركة أن تنتقل من إدارة القطاع إلى المشاركة السياسية ضمن نظام فلسطيني أكثر شمولًا، فقد تتحول من جزء من مشكلة الحكم إلى جزء من الحل. أما إذا بقي النفوذ العسكري شرطًا للحفاظ على موقعها السياسي، فستظل عملية إعادة الإعمار تواجه السؤال نفسه: من يملك القرار الفعلي في غزة؟

مستقبل القطاع لن تحدده فقط نتائج المفاوضات بين إسرائيل وحماس، وإنما قدرة الفلسطينيين على بناء صيغة حكم جديدة. إعادة الإعمار تحتاج إلى سلطة مدنية مستقلة، وقرار أمني موحد، وتمويل دولي، وضمانات تمنع العودة إلى الحرب. وهذه المتطلبات تجعل الفصل بين بقاء حماس كقوة سياسية وبين استمرار سيطرتها على أدوات الحكم والسلاح مسألة مركزية في مستقبل غزة.

فإذا نجحت الحركة في قبول هذا الفصل، وأصبح حضورها السياسي منفصلًا عن إدارة القطاع وامتلاك السلاح، فقد يكون ذلك بداية لمرحلة مختلفة. أما إذا بقيت حسابات الحفاظ على النفوذ مرتبطة بمفاصل الحكم والأمن، فإن غزة ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: موارد يمكن حشدها لإعادة البناء، وحاجة هائلة إلى التعافي، لكن من دون البيئة السياسية والأمنية التي تسمح بتحويل تلك الموارد إلى حياة جديدة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من سيحكم غزة فقط، وإنما ما إذا كان شكل الحكم الجديد قادرًا بالفعل على إخراجها من دورة الحرب وإعادة بناء مقومات الحياة.

 

 

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط