مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة بين الحياة أو الموت

في لحظات الأزمات الكبرى، تصبح الوقائع أكثر أهمية من الشعارات، ويغدو تقييم النتائج ضرورة لا يمكن الهروب منها. فبعد سنوات طويلة من الصراع والحروب المتعاقبة، لم يعد ممكناً النظر إلى واقع قطاع غزة بعيداً عن حصيلة التجربة بكل ما حملته من آلام وخسائر وتحولات عميقة. واليوم، بينما يواجه أكثر من مليوني إنسان ظروفاً إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: ماذا جنى سكان غزة من استمرار النهج القائم، وما الثمن الذي ما زالوا مطالبين بدفعه؟

لقد عاشت غزة خلال العقود الماضية تحت وطأة أزمات متراكمة، لكن السنوات الأخيرة دفعت هذه الأزمات إلى مستويات غير مسبوقة. فالحروب المتكررة لم تترك حجراً على حجر في أجزاء واسعة من القطاع، والبنية التحتية تعرضت لأضرار جسيمة، فيما تراجعت الخدمات الأساسية وتقلصت فرص العمل وازدادت معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانية. وفي ظل هذا الواقع، باتت الحياة اليومية لسكان القطاع معركة مستمرة من أجل الحصول على الاحتياجات الأساسية التي يفترض أن تكون متاحة بصورة طبيعية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتنمية.

وسط هذا المشهد، تواصل حركة حماس التمسك بالسلاح باعتباره خيارها الرئيسي في إدارة الصراع، غير أن تقييم أي خيار سياسي أو أمني لا ينبغي أن يقوم على النوايا أو الشعارات، بل على النتائج الملموسة التي يراها الناس في حياتهم اليومية، ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو الحصيلة موضع تساؤل مشروع، فبعد سنوات طويلة من المواجهات، لا يزال الأمن غائباً عن حياة السكان، ولا تزال التنمية بعيدة المنال، فيما تتكرر مشاهد الدمار والنزوح والمعاناة مع كل جولة جديدة من التصعيد.

إن المعضلة الأساسية لا تكمن في وجود خلافات سياسية أو رؤى متباينة حول مستقبل القضية الفلسطينية، فهذه مسائل تخضع للنقاش والاجتهاد. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح كلفة الخيارات المتبعة أكبر من قدرة المجتمع على تحملها، وعندما يتحول السكان إلى الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر بصورة متواصلة. فكل مواجهة جديدة تعني مزيداً من الخسائر البشرية، ومزيداً من التراجع الاقتصادي، ومزيداً من التأخير في جهود إعادة الإعمار وتحسين ظروف الحياة.

ولعل أخطر ما في استمرار هذا الواقع أنه يحرم الأجيال الجديدة من حقها الطبيعي في المستقبل. فالشباب الذين كان من المفترض أن ينشغلوا بالتعليم والعمل وبناء حياتهم، يجدون أنفسهم محاصرين في بيئة تسيطر عليها الأزمات وعدم اليقين. والطفل الذي يكبر وسط مشاهد الحرب والدمار لا يفقد فقط الشعور بالأمان، بل يفقد أيضاً كثيراً من الفرص التي يحتاجها لبناء حياة مستقرة ومنتجة. وهنا تصبح القضية أبعد من مجرد حسابات سياسية أو عسكرية، لتتحول إلى قضية إنسانية تتعلق بمصير مجتمع كامل.

ومن الواضح أن إعادة إعمار غزة واستعادة عافيتها الاقتصادية لا يمكن أن تتحققا في ظل استمرار بيئة الصراع المفتوح. فالتنمية تحتاج إلى استقرار، والاستثمارات تحتاج إلى ضمانات، وإعادة بناء المؤسسات تحتاج إلى مناخ يسمح بالتخطيط للمستقبل بعيداً عن احتمالات الانفجار في أي لحظة. ولهذا فإن أي مشروع جاد لإنقاذ القطاع لا بد أن ينطلق من مراجعة شاملة للسياسات التي أوصلته إلى هذا الواقع، وأن يضع مصلحة السكان فوق أي اعتبارات أخرى.

لقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تستطيع النهوض إلا عندما يصبح الإنسان هو الأولوية الحقيقية. فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى بالمدارس والمستشفيات والاقتصاد المنتج والمؤسسات القادرة على توفير الأمن والخدمات والفرص. وعندما تتقدم هذه الأولويات على ما سواها، يصبح الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء أمراً ممكناً.

إن غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى رؤية واقعية تنطلق من احتياجات أهلها وتطلعاتهم. فهي بحاجة إلى مشروع يفتح الباب أمام الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، ويمنح سكانها فرصة للخروج من دائرة المعاناة الممتدة منذ سنوات طويلة. أما الاستمرار في المسارات التي لم تنتج سوى المزيد من الدمار والخسائر، فلن يؤدي إلا إلى تكريس الأزمة وإطالة أمدها.

وفي نهاية المطاف، يبقى المعيار الحقيقي لأي سياسة أو خيار هو أثره على حياة الناس. فإذا كانت النتيجة هي المزيد من الفقر والدمار والنزوح وفقدان الأمل، فإن المراجعة تصبح واجباً لا خياراً، أما إذا كان الهدف هو حماية الإنسان وصون كرامته وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، فإن مصلحة سكان غزة يجب أن تكون البوصلة التي تهدي كل قرار، والغاية التي تتقدم على ما عداها من اعتبارات.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط