مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة بعد نكبتين.. الدور المصري بين الماضي وآفاق المستقبل

غزة بعد نكبتين.. الدور المصري بين الماضي وآفاق المستقبل

تاريخ النشر: 2026-09-04 | 15:09

د. أحمد يوسف
د. أحمد يوسف

حين وقعت نكبة فلسطين عام 1948، لم تكن غزة التي نعرفها اليوم قد تشكّلت سياسيًا وديموغرافيًا بالصورة التي أصبحت عليها لاحقًا. كانت مدينة وقرى وساحلًا فلسطينيًا، ثم دفعت الحرب بعشرات الآلاف من أبناء المدن والقرى الفلسطينية المهجَّرة إليها، فتحولت خلال أشهر قليلة إلى مساحة مكتظة باللاجئين، يحملون معهم مفاتيح البيوت، وذاكرة الأرض، وحلم العودة.
وفي أعقاب الحرب، انتهى الأمر بالجزء الذي بقي خارج السيطرة الإسرائيلية من جنوب فلسطين تحت الإدارة المصرية. ومنذ ذلك التاريخ وحتى حرب يونيو/حزيران 1967، ارتبط قطاع غزة بمصر إداريًا وأمنيًا وسياسيًا، من دون أن تقوم القاهرة بضمه إليها أو منح سكانه الجنسية المصرية. وظلت غزة، من الناحية القانونية والسياسية، أرضًا فلسطينية ذات شخصية مستقلة، وإن كانت الإدارة الفعلية بيد مصر.
ولعل هذه التجربة التاريخية تستحق اليوم إعادة القراءة، لا من باب الحنين إلى الماضي، وإنما لأن غزة تقف، بعد حرب الإبادة والدمار الهائل الذي أصابها، أمام سؤال يشبه، في بعض جوانبه، ذلك الذي واجهته بعد النكبة الأولى: من يدير القطاع في المرحلة الانتقالية؟ وكيف يمكن إنقاذه من الفراغ السياسي والأمني، وإعادة بنائه، من دون المساس بهويته الفلسطينية أو فصله عن الضفة الغربية؟
بعد نكبة 1948، حاولت مصر في البداية إعطاء الفلسطينيين إطارًا سياسيًا خاصًا بهم، فظهرت في غزة «حكومة عموم فلسطين» برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي، وأُعلن عن كيان فلسطيني له مؤسساته ورموزه. إلا أن التجربة لم تتمكن من التحول إلى دولة فعلية، وظلت محدودة القدرة والتأثير، لتصبح الإدارة المصرية لاحقًا صاحبة السلطة الحقيقية في القطاع.
ومع مرور السنوات، تطورت الإدارة المدنية، واستمر جانب مهم من الجهاز البيروقراطي والقانوني الذي كان قائمًا قبل عام 1948، كما صدرت تشريعات لتنظيم الإدارة والقضاء والحياة العامة، ومنها القانون الأساسي لقطاع غزة عام 1955، ثم النظام الدستوري المؤقت عام 1962. وكان اللافت أن مصر حافظت، رغم سيطرتها الإدارية والأمنية، على الشخصية الفلسطينية للقطاع، ولم تتعامل معه باعتباره جزءًا من أراضيها.
لكن التجربة لم تكن بلا سلبيات؛ فقد ظلت الحياة السياسية مقيدة، وكانت الإدارة المصرية شديدة الحساسية تجاه النشاط السياسي والتنظيمي المستقل، كما بقي القطاع فقير الموارد، مثقلًا بأزمة اللاجئين، ومعتمدًا بدرجة كبيرة على خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا». وبقي سكان غزة فلسطينيين بلا دولة ولا سيادة وطنية كاملة، حتى جاءت حرب يونيو 1967، فاحتلت إسرائيل القطاع، وانتهت مرحلة الإدارة المصرية.
اليوم، وبعد نحو ثمانية عقود من النكبة الأولى، يبدو المشهد مؤلمًا في أوجه كثيرة من التشابه: مدن مدمرة، مئات الآلاف من النازحين، خيام، فقدان للمساكن ومصادر الرزق، وحاجة هائلة إلى الإغاثة والإعمار وإعادة بناء المؤسسات. ولذلك يفرض السؤال نفسه: هل يمكن أن يتكرر الدور المصري في غزة؟
أعتقد أن الإجابة هي: نعم من حيث الدور والمسؤولية، ولكن ليس بالضرورة من حيث شكل الإدارة. فمصر اليوم لا تبدو راغبة في العودة إلى نموذج الحكم المباشر الذي عرفه القطاع بين عامي 1948 و1967، كما أن الظروف الفلسطينية والعربية والدولية تغيرت جذريًا. هناك اليوم منظمة تحرير فلسطينية، وسلطة وطنية، ومؤسسات فلسطينية، واعتراف دولي واسع بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولذلك فإن إعادة إنتاج نموذج «الحاكم الإداري المصري» ليست مطروحة، ولا ينبغي أن تكون كذلك.
لكن مصر تستطيع أن تكون، وربما لا غنى عنها، الحاضنة والضامن للمرحلة الانتقالية في غزة. وهنا يكمن جوهر الفارق بين التجربتين: بعد النكبة الأولى أدارت مصر غزة بنفسها، أما بعد النكبة الثانية فإن الأكثر واقعية هو أن تساعد مصر الفلسطينيين على إدارة غزة بأنفسهم.
وقد عكست التصورات العربية المنطلقة من الرؤية المصرية هذا الاتجاه، بالحديث عن إدارة فلسطينية من التكنوقراط والشخصيات غير الفصائلية تتولى شؤون القطاع في المرحلة الانتقالية، وإطلاق عملية إعمار واسعة مع بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وربط مستقبل غزة بالمشروع الوطني الفلسطيني، لا فصلها عنه أو تحويلها إلى كيان مستقل. كما تستطيع مصر، بالتعاون مع الدول العربية، الإسهام في تدريب الشرطة الفلسطينية اللازمة لاستعادة الأمن والنظام العام.
وهنا يمكن للقاهرة أن تؤدي أدوارًا متعددة: بوابة للإعمار، وراعية للمصالحة الفلسطينية، وضامنًا أمنيًا وسياسيًا، وجسرًا بين الفلسطينيين والعالم العربي والمجتمع الدولي. والأهم أن تسهم في إحباط مخططين خطيرين: تهجير الفلسطينيين من غزة، والتكريس السياسي الدائم للانفصال بين غزة والضفة الغربية.
لقد علمتنا تجربة ما بعد 1948 أن الإدارة المؤقتة قد تطول سنوات، وأن ما يبدأ باعتباره ترتيبًا استثنائيًا يمكن أن يتحول إلى واقع سياسي ممتد. لذلك ينبغي ألا تصبح المرحلة الانتقالية المقبلة حالة دائمة، أو تتحول غزة إلى منطقة خاضعة لوصاية إقليمية أو دولية مفتوحة المدى.
المطلوب مرحلة انتقالية محددة الزمن والمهام: وقف نهائي للحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتثبيت الأمن، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات، وفتح المعابر، وإطلاق عملية إعمار شاملة، ثم الذهاب إلى انتخابات فلسطينية عامة تعيد بناء الشرعية السياسية، وتوحد غزة والضفة في إطار نظام سياسي واحد.
إن مصر التي حملت عبء غزة بعد النكبة الأولى يمكن أن تتحمل اليوم مسؤولية تاريخية مختلفة بعد النكبة الثانية: لا أن تحكم غزة، بل أن تساعدها على الوقوف مجددًا على قدميها.
وبين نكبة 1948 ونكبة اليوم، تتكرر بصورة موجعة مشاهد اللاجئ والخيمة والبيت المهدّم والأم التي تبحث عن أبنائها والطفل الذي يكبر قبل أوانه. لكن التاريخ ليس قدرًا محتومًا، ولا ينبغي أن تكون نهاية النكبة الثانية نسخة من نهاية الأولى.
في المرة الأولى، خرج الفلسطيني من النكبة لاجئًا ينتظر العودة، وبقيت غزة قرابة عقدين تحت الإدارة المصرية قبل أن تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي. أما اليوم، فينبغي أن تكون النهاية مختلفة: إعمار بلا تهجير، وإدارة فلسطينية بلا وصاية، وضمانة عربية في مقدمتها مصر، ووحدة وطنية تتوجها انتخابات حرة، ودولة فلسطينية تكون غزة جزءًا أصيلًا منها.
هنا فقط يمكن القول إن التاريخ، وإن أعاد إلينا بعض مشاهده المؤلمة، ليس مضطرًا إلى أن يعيد النهاية نفسها.
أرى أن هذه الصياغة أصبحت أكثر ملاءمة للنشر الصحفي؛ إذ حافظت على المقارنة التاريخية، لكنها جعلت الفكرة المركزية أوضح: استلهام الدور المصري التاريخي لا يعني استعادة الإدارة المصرية، وإنما الانتقال من «إدارة غزة» إلى «ضمان قدرة الفلسطينيين على إدارتها».

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط