تاريخ النشر: 2026-10-23 | 15:05
تاريخ النشر: 2026-10-23 | 15:05
هناك مثل يعرفه الصيادون جيدا: ليس كل ما يلمع في شبكتك لؤلؤا. أحيانا تكون مجرد عين سمكة ميتة، نفخها الموت فبرقت تحت الشمس، فظنت نفسها جوهرة.
هذه هي قصتنا اليوم. قصة قيادات كثيرة تلمع على الشاشات، وتبرق في المؤتمرات، وتظن نفسها لؤلؤ فلسطين، وهي في الحقيقة ليست أكثر من عين سمكة.
وهذا الكلام ليس موجها لشخص، بل لكل من فشل أن يكون لؤلؤة.
لمن هذا الكلام؟
هذا الكلام موجه إلى كل قيادة فلسطينية، في الداخل والخارج، في السلطة وفي الفصائل، من اليمين إلى اليسار، ممن يتحدثون باسم فلسطين صباح مساء، وهم لم يقدموا لفلسطين شيئا واحدا يشفع لهم.
نسألكم بلا تجميل:
أين حجركم؟
أين سجنكم؟
أين مطاردتكم؟
نحن لا نريد بيانات. نريد إجابة.
أين حجركم الذي رميتموه؟
فلسطين لم تتحرر ببيان صادر عن مكتب سياسي. فلسطين حرة بحجر طفل في مخيم.
أين كنتم عندما كان أطفال الانتفاضة الأولى يصنعون تاريخهم بأيديهم العارية؟ أيديكم كانت نظيفة جدا. أنظف من اللازم. لم يعلق بها غبار شارع، ولا تراب مواجهة.
أنتم لم ترموا حجرا، بل رميتم علينا الخطب.
أين سجنكم؟ وهنا بيت القصيد
نحن لسنا منظرين. نحن أبناء السجون. ونعرف السجون باسمها ورائحتها وحديدها. فأين كنتم أنتم؟
هل دخلتم أنصار واحد و أنصار 2 في صحراء النقب، حيث كنا ننام في الخيام تحت شمس تحرق الجلد وبرد يكسر العظم، حيث كان الأسير يعد النجوم ليعرف أنه ما زال حيا؟
هل مررتم بـ **سجن غزة المركزي - أبو كبير**؟ ذاك المسالخ الذي كان يسمى سجن، حيث بدأ التحقيق بالضرب وانتهى بالدم، حيث علمنا معنى أن يخلعوا أظافرك ويسموها تحقيقا.
هل سمعتم أنين **سجن شطة**؟ سجن الموت البطيء في الشمال، حيث كان الجدار يبكي قبل السجين.
هل عرفتم سجن الرملة ومستشفاه الذي هو مقبرة للأحياء؟ سجن نفحه الصحراوي؟ سجن عسقلان**؟ **سجن بئر السبع**؟ **سجن جنيد بنابلس؟ سجن الفارعة**؟ **سجن الخليل المركزي**؟ **سجن طولكرم**؟ **المسكوبية في القدس حيث يعلقونك من يديك حتى تنسى اسمك؟ سجن مجدو وعوفر والنقب بأجيالها الجديدة؟
نحن دخلناها. حفظناها زنزانة زنزانة. كتبنا أسماءنا على جدرانها بمسامير صغيرة. تركنا فيها أسناننا وشبابنا وركبنا.
أنتم أين كنتم؟ في أي كشف من كشوف الأسرى نجد أسماءكم؟ في أي سجل من سجلات الجرحى؟ لا يوجد.
سجونكم الوحيدة هي سجون الفنادق خمس نجوم، والخوف على الكرسي، والقلق على الرصيد.
أين مطاردتكم؟
المطاردة ليست كلمة تقال في مقابلة. المطاردة أن لا تعرف بيتك لأشهر. أن تنام في مغارة، وفي بيت مهجور، وفي زيتونة. أن يصبح وجهك غريبا حتى على أمك.
أنتم لم تطاردكم إسرائيل، إسرائيل كانت تطاردنا نحن لتحميكم. لم يطرق جيش الاحتلال بابكم فجرا، بل طرق باب الفقير الذي خبأكم في بياناته.
الفرق بين اللؤلؤ وعين السمكة
اللؤلؤة يا سادة، لا تولد لامعة. اللؤلؤة أصلها ألم. حبة رمل قاسية تدخل قلب المحارة الضعيفة، فتتألم المحارة، وتتألم، وتفرز حول الألم طبقة، ثم طبقة، ثم طبقة، لسنوات طويلة، حتى يتحول الألم إلى لؤلؤة.
لؤلؤ فلسطين الحقيقي هو من تألم لأجلها:
هو الأسير الذي قضى 20 و 30 عاما في أنصار وشطة وأبو كبير ولم يبدل.
هو الشهيد.
هو المطارد الذي فقد بيته.
هو الجريح الذي بترت قدمه وما زال يمشي للمظاهرة.
هو الأم التي علمت أولادها أن السجن للرجال.
أما عين السمكة، فهي لا تتألم. هي ميتة أصلا. لكنها تلمع. انتفاخها هو بريقها. تظن أن انتفاخها قيمة، وأن لمعان الشمس عليها تاريخ.
أنتم عيون أسماك. تلمعون لأن الكاميرا مسلطة عليكم، لا لأن في داخلكم نور.
اللؤلؤة تبقى لؤلؤة حتى لو رميتها في الوحل. وعين السمكة تبقى عين سمكة حتى لو وضعتموها في متحف وكتبتم تحتها "القيادة التاريخية الرمزية".
كفى.
فلسطين أكبر من عيونكم اللامعة. فلسطين تعرف من هو لؤلؤها ومن هو عين السمكة فيها. والتاريخ لا يرحم، فهو في النهاية يضع كل شيء في مكانه: اللؤلؤ في التاج، وعين السمكة في القمامة.
أعطونا لؤلؤة واحدة حقيقية، وخذوا كل عيون الأسماك التي تملكونها.
لم نكن يوما ممن نهوى الاستسلام ولا الخضوع ولا ترهبنا التهديدات ولا نركع الا لله