مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عودة الجغرافيا السياسية

عودة الجغرافيا السياسية

تاريخ النشر: 2018-02-21 | 10:36

الموقف السياسي والعسكري في الشرق الأوسط لا يكفّ عن التغيّر، ورصد هذه التغييرات ليست أمراً سهلاً، لأنه كثيراً ما يختلط الجديد بالقديم، ويصعب التمييز بين العداء والخصومة والتنافس. مثل ذلك ليس جديداً على المنطقة، ولكن واجب المتابعة هو رصد ما يحدث أياً ما كان عليه من التباس وارتباك. الحالة الشرق أوسطية التي تلت «الربيع العربي» المزعوم قامت سياسياً واستراتيجياً على أساس مفهومين: أولهما أن التناقضات والصراعات داخل الدولة أشد وأكثر دموية من أي صراعات إقليمية أخرى. انتشرت الحرب الأهلية في أكثر من دولة، سوريا والعراق واليمن وليبيا أمثلة معروفة، وفي بلدان أخرى كانت التوترات حادة استلزمت إما تدخلاً كما حدث في البحرين وإما تولي القوات المسلحة بدفع من الجماهير إدارة السياسة كما حدث في مصر. في كل الأحوال كانت المشاهد للعنف والتفاعلات الحادة داخل الدولة ذات طبيعة سياسية واقتصادية وطائفية ومذهبية، وما جاء من خارجها كان اعتماداً على أطراف داخلية قادرة على التعبئة والحشد والمواجهة. وثانيهما أن الدولة، ربما نتيجة ما سبق، تقلصت فاعليتها كفاعل أساسي في العلاقات الإقليمية، وظهر إلى جانبها فاعلون ليسوا بدول مثل جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وتوابعها من «القاعدة» حتى «داعش». السمة الأساسية لهذه «الفواعل» أنها كانت تعمل عبر الدول، ولها تصوراتها الخاصة لفكرة الدولة، حتى إن أحدها -«داعش»- أقام «دويلة» عبر الحدود العراقية السورية متحدياً في ذلك الجغرافيا السياسية التي استقرت في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. المدهش أن هؤلاء الفاعلين الجدد، لم تفلح وحدة العقيدة والتشدد الآيديولوجي بينهم في منع صراعات دموية جرت بين «القاعدة» و«داعش»، وبين كليهما وبين «الإخوان المسلمين».
ما جرى في الشرق الأوسط أن الحروب الأهلية حدث لها ما سُمي «تراجع التصعيد» أحياناً، و«التهدئة» أحياناً أخرى، و«وقف إطلاق النار» أحياناً ثالثة، وفي جميعها تقريباً بدأت وجرت عملية دبلوماسية معقّدة تداخلت فيها الدول الإقليمية، وكلٌّ من الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك الأمم المتحدة. وعلى الجانب الآخر فإن الفواعل الإرهابية جرى اعتصارها، ففقد الإخوان المسلمون قاعدتهم الأساسية في مصر، وباتت القاعدة مطاردة في مناطق عدة، أما «داعش» فقد انتهى إلى هزيمة كاملة أسقطت عرش دولته، قبل أن يشتد ساعدها. كل هؤلاء الفاعلين لم يُقْضَ عليهم، أو يتم استئصالهم، فلا يزالون عاملين في الساحة الإقليمية، ولكن ما جرى أن الدول تقدمت مرة أخرى لكي تثبت نفسها من جديد. انتصار العراق على «داعش» بمعاونة الولايات المتحدة أعطى الدولة العراقية نفساً جديداً مكّنها من إدارة الأزمة مع الأكراد عندما عرضوا استقلالهم للاستفتاء العام وجرت الموافقة عليه، ولكن سرعان ما فشلت المحاولة، ورجع الأكراد إلى مائدة المفاوضات. دولة بشار الأسد السورية جرى استبعادها من الجامعة العربية، وكان موضوع الإطاحة بحكم البعث جزءاً أساسياً من الأطروحات والمفاوضات، عادت مرة أخرى بالعون الروسي إلى الواجهة مع الداخل والخارج، ولأول مرة اتفق الأميركيون والروس على بقاء الدولة السورية كدولة ذات سيادة، ولكن شكلها وفصلها هو قضية أخرى، وموضوع للتفاوض.
الدول الإقليمية رفعت من درجات تداخلها العسكري في الإقليم؛ وخلال السنوات الماضية فإن إيران اعتمدت، إلى حد كبير، على فاعلين عابرين للحدود مرة باسم العقيدة الشيعية، ومرة اعتماداً على طوائف ونِحَل، وجرى ذلك مع «الحشد الشعبي» في العراق، و«حزب الله» في لبنان وسوريا، والحوثيين في اليمن. الآن فإن إيران لم تعد فقط تقدم المعاونة والتأييد لفواعل محلية، وإنما تتدخل بقوات الحرس الثوري لخلق ممر عسكري لها عبر الأراضي العراقية والسورية واللبنانية لكي تعطي لنفسها حدود تماسٍّ مع إسرائيل. الغرض من هذا التحرك ليس فقط اللعب بالقضية الفلسطينية مرة أخرى، وإنما خلق مساحة ضغط مقابل على الولايات المتحدة لكي يعتدل منهجها تجاه إيران والاتفاق النووي معها. تركيا على الناحية الأخرى بدأت تدخلها العسكري في أثناء الحرب مع «داعش»، حيث خصصت بعضاً من قوتها لإضعاف القوات الكردية التي تقاتل «داعش» أيضاً، ولكنها في ذات الوقت توفر مساحات آمنة وإمدادات لحزب العمال الكردي الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية! ومع هزيمة «داعش» فإن الجغرافيا السياسية لتركيا جعلتها تتخذ منهجاً تدخلياً عسكرياً وعدوانياً أيضاً من أجل ما يتصوره رجب طيب إردوغان الأمن القومي لتركيا. من هنا كان التدخل التركي في عفرين، وفي الوقت نفسه التدخل في موضوع اكتشافات الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط برفض اتفاقية ترسيم الحدود المصرية القبرصية، والمنع بالقوة لشركة «إيني» الإيطالية من الاستمرار في اكتشافاتها النفطية في المنطقة.
تدريجياً عاد الشرق الأوسط إلى ما كان عليه من قبل، حيث تسيطر هموم الجغرافيا السياسية على قضية الأمن في الإقليم، فالحرب الأهلية اليمنية لم تعد حرباً داخلية، وإنما هي نتيجة تدخل إيراني تتصدى له قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. إسرائيل من ناحيتها وبعد سنوات من السعادة لما يجري لدول المنطقة حولها، وجدت نفسها فجأة في مواجهة سوريا مختلفة عما اعتادته، ومن هنا كانت المواجهة العسكرية لطائرة «درون» إيرانية، ثم قصف قاعدة عسكرية إيرانية، وبعدها سقوط طائرة إسرائيلية. القضية في سوريا لم تعد جبهة النصرة أو «داعش» أو الإخوان المسلمين، وإنما صراع ومواجهة إسرائيلية إيرانية على من يهيمن على سوريا أولاً ومن ورائها لبنان. مصر من ناحيتها اختارت طريقة أخرى لاستخدام القوة العسكرية تقوم على إرسال الرسائل الأمنية الواضحة التي تعطي إشارات وخطوط حمراء على الأقل خلال هذه المرحلة. وكانت الحملة العسكرية الشاملة «سيناء 2018» فرصة إرسال الإشارة أن مصر لا فقط تقوم بتصفية فلول الإرهاب في سيناء تمهيداً لتعميرها؛ ولكنها أيضاً لن تقبل بأي تدخل إقليمي تركي في واقع جرى تأسيسه على أساس قانون البحار، والاعتراف الدولي بالدولة القبرصية. كان قيام القوات البحرية المصرية المشارِكة في التأمين البحري لعملية «سيناء 2018» بمناورات جرى فيها استخدام الصواريخ سطح - بحر، وبحر - بحر، كرسالة لمن يهمه الأمر في أنقرة.
كل هذه التحركات الإقليمية تقوم في الأساس على الجغرافيا السياسية للإقليم، في ظل الظروف التي أصبحت قائمة في 2018، حيث تداخلت وتشابكت قضايا نتائج الاتفاق النووي الإيراني مع انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة له شكوكه في النيات الإيرانية. وفي نطاق آخر جرى التشابك مع حقيقة اكتشافات الغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، بل إن حقل «ظُهر» الواقع في المنطقة الاقتصادية المصرية بدأ الإنتاج بالفعل. الجغرافيا السياسية بكل توابعها الأمنية والاقتصادية عادت مرة أخرى، وأعادت تعريف المصالح الوطنية للدول، وجعلت الشرق الأوسط يختلف في العام الحالي 2018 عما كان عليه منذ 2011. تعالوا ننتظر ونرَ ما سوف يستجد سياسياً وعسكرياً!

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط