مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عن اغتيالات لبنان وتفكيك 17 تشرين

عن اغتيالات لبنان وتفكيك 17 تشرين

تاريخ النشر: 2021-02-13 | 20:54

علي شندب
علي شندب

احتضنت حديقة دارة لقمان سليم في حارة حريك قبر الرجل الذي اغتيل منذ أسبوع في جنوبي لبنان، وقد أرادت عائلة سليم مراسم الدفن شبيهة بالرجل ومسيرته السياسية والثقافية والفكرية، وهي المراسم التي حضرها الى محبيه وخصوصا المعارضين لحزب الله، حشد ديبلوماسي غربي لافت، وفيما تصدر بيت شعر للمتنبي شاهد القبر الذي سيتحول ذكرى ومكانا للتأمل من محبيه واصدقائه، أقيمت صلوات تجسد ترابط العائلات الروحية، وقرأت فيه سورة الفاتحة وصلاة الأبانا وبعض التراتيل.

إنها "صلاة الأبانا" التي فعلت فعلها في البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي أعلن لقمان سليم شهيدا، كما وفعلت فعلها في راعي أبرشية بيروت للموارنة. والحق أن عبارة "الويل لكم أيها المسؤولون" التي استهل بها المطران بولس عبد الساتر عظته، تحمل أقسى عبارات التهديد والوعيد للمسؤولين عامة، وأولئك التابعين لرعيته وكنيسته خاصة.

وأمام هذا الحكم المبرم تساءلت في سرّي، كيف سيتصرف المسؤولون وخصوصا الرئاسات الثلاث الذين يحضرون عادة هذا القداس السنوي في عيد مارمارون وهم يستمعون الى المطران بولس عبد الساتر وهو يجلدهم في وجوههم بسياط الضمير. المسؤولون الذي تعرضوا لطرد مزدوج. الأول، لزوم التباعد الكوروني. والثاني، لزوم التباعد الروحي. وهنا تبدّت كورونا شفيعة، بقدر ما هي جائحة.

فالجائحة الحقيقية التي قالتها العظة هي منظومة الفساد والطغاة والسفاحين. المنظومة التي باتت محل تشخيص وإجهار الناس بحناجر ترفض الخضوع والخنوع والاستسلام التي صدحت ذات 17 تشرين ولم تزل تصدح بأصوات لن تخرسها كواتم الصوت ولا فبركة الملفات لكثير من الناشطين والموقوفين في أحداث طرابلس وغيرها.

فاغتيال المصور جو بجاني أشاع لبعض الوقت دخول لبنان مدار اغتيالات سوداء قادمة. وما خفّف من اعتبار اغتيال بجاني اغتيالا سياسيا، أن المغدور لا يمثل أو يشكل أي حيثية تجعله هدفا للاغتيال السياسي، رغم أن سجله بحسب ذويه خال من أي خصومات او عداوات شخصية، وكثافة المعلومات المتناقضة التي ضخّت عبر بعض الاعلام والفضائيات اللبنانية منذ لحظة الاغتيال حوّلته الى لغز لم تفكّ شيفرته تحقيقات الأجهزة الأمنية المعنية بعد حوالي 50 يوما على الاغتيال.

لكن اغتيال لقمان سليم ثبّت نظرية دخول لبنان مدار الاغتيالات السياسية، سيما وأنّ كل فرضيات وسيناريوهات اغتيال سليم تنهار لصالح تلك الفرضية التي تتهم حزب الله بتنفيذ الاغتيال. وبدا اتهام حزب الله راسخ في قناعة ذوي المغدور. كما إن شرائح لبنانية واسعة فضلا عن منابر عربية وعالمية وجهت أصابع الاتهام للحزب مستدلة في ذلك على تاريخ من الخصومة الفكرية والمحاججات السياسية التي رفعها لقمان سليم وتعرض بسببها لتهديدات معروفة لدى الرأي العام والطبقة السياسية والأمنية ووثقتها ملصقات عبارة "المجد لكاتم الصوت"، الذي نال من المغدور وأحدث جروحا وندوبا بليغة ومتواصلة في المشهد اللبناني لعلّ أكثرها نفورا تخوين بعض جمهور حزب الله لنائب صيدا أسامة سعد.

وفي ضوء إدانة حزب الله لاغتيال سليم، فإن هذه الإدانة لا تكتمل وجاهتها وتتحول الى حقيقة ما لم يقدم حزب الله على كشف منفذي جريمة اغتيال سليم وتقديمهم للمحاسبة، وذلك بهدف إقران إدانته بالفعل سيّما وأن الاغتيال حصل في منطقة نفوذ الحزب التي يرصدها بالميكروسكوبات السوبر دقيقة، كما وبهدف تثبيت صحة موقف استباقي لزعيم الحزب حسن نصرالله يقول فيه "‏أن تتكلم في السياسة ما تريده لا يوجد لدي مشكلة، إيران وغير إيران ولبنان والسيادة والحرية ‏والاستقلال والصواريخ والمقاومة والنووي الإيراني قل ما تريده لا يوجد مشكلة".

لكن، لماذا اغتيل لقمان سليم؟ انه السؤال الملحّ الذي يستبطن الاتهام السياسي لحزب الله بالاغتيال والذي طرحه الناس والاعلام، والذي سيبقى معلقا رغم تصدره المشهد ما لم يتم تفكيك الأسباب الحقيقية والجوهرية للاغتيال، كما يستوجب تصويب السؤال ليكون لماذا اغتال حزب الله لقمان سليم؟

من المعروف أن حزب الله اتُهم باغتيال كل رموز 14 آذار، التي تمأسست على دمّ رفيق الحريري الذي أدانت المحكمة الدولية باغتياله القيادي في حزب الله سليم عيّاش، ويرجح أن تدين المحكمة عيّاش نفسه باغتيال آخرين.

ومن المعروف أيضا أن حزب الله تمكن وبشكل تدريجي قبل هذه الاغتيالات وبعدها، من ترويض وتدجين وتخضيع كل الطبقة السياسية اللبنانية في السلطة وخارجها. كما تمكن من الإمساك بمفاصل صناعة السياسة والسلطة وصولا للسيطرة على الدولة بأمها وأبيها. فهو صانع الرئاسات، والحكومات، والأغلبيات النيابية وليس الاكثريات التي وصلت الى 74 نائبا بحسب مقياس قاسم سليماني.

وقد تعايشت القوى السياسية كلها بدءا من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري مع حزب الله، وانتظمت معه في الحكومة والبرلمان، وارتضت بفتات النفوذ الذي تركه لها حزب الله. وبعض تلك القوى مثل التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل دخلوا مع الحزب في لعبة المقايضات الانتهازية وفق شعار "غطوا على سلاحنا نغطي على فسادكم". وقد حوّل باسيل الانتهازية الى ابتزازية عندما أشهر بوجه الحزب لافتة "سلعاتا مقابل السلاح" ليخدم مشروعه في "الأمن المسيحي الكهربائي" والذي أطاحت به ورقة الرئيس الفرنسي الاصلاحية. وفي اخر طلعات تيار باسيل خرج ليقول أن "تفاهم مار مخايل فشل بناء الدولة".

بهذه العقلية بين الحلفاء أديرت الدولة التي نخرها الفساد وبات عمودها الفقري، وبسبب هذه العقلية خرجت الناس الى الساحات والميادين تنشد معزوفة "الهيلا هيلا هو"، وتطلق شعارها الاستراتيجي القاتل "كلن يعني كلن"، وهو الشعار الذي طوّرته جموع لبنانية بعد تهديد نصرالله لها واتهامها بالعمالة للسفارات الأجنبية، ليصبح الشعار "كلن يعني كلن، ونصرالله واحد منهم".

تهويل نصرالله وترهيبه لجموع المتظاهرين طلبا للاصلاح في الساحات، لم يخف المتظاهرون الغاضبون، ولم يفت من عضدهم، كما لم ترهبهم غزوات شباب الخندق الغميق وأقرانهم في النبطية وبعلبك وصولا الى طرابلس وغيرها، الى خيم المتظاهرين وإحراقها بهدف إرعابها وتخويفها وتخضيعها. انها الغزوات التي أحدثت ردة فعل غير مسبوقة من متظاهري 17 تشرين الذين ربما اقتبسوا من أشقائهم في ثورة تشرين العراقية كيفية إحراق صور خامنئي وخميني وسليماني قبل مقتله وبعده، ربما اقتبسوا منهم نصب مجسم لحسن نصرالله وغيره في وسط بيروت.

إنه المجسم الذي أحرقه المتظاهرون وفعلوا فيه الأفاعيل الأكثر عريا وجرأة في كسر حاجز الخوف وفي إعطاء شعار "كلن يعين كلن" مداه الأقصى وأبعاده الاستراتيجية والنفسية المكبوتة. الأبعاد التي تقول أن تغيير النظام في لبنان مستحيل في ظل وجود حزب الله. ولهذا جاهرت بعض مجموعات 17 تشرين وفي عدة مناطق في مطالبة مجلس الامن والمجتمع الدولي بتطبيق القرار 1559 الخاص بنزع سلاح الميليشيات غير الشرعي.

وفي حين كانت الطبقة السياسية تلوك كلاما غير ذي معنى حول ما اصطلح على تسميته بـ "الاستراتيجية الدفاعية". عمدت 17 تشرين الى تشخيص المشكلة اللبنانية وتظهيرها: إنها مشكلة السلاح خارج سلطة الدولة. إنه السلاح المرتبط بأجندة خارجية. إنه السلاح الذي يرهن لبنان ولا يحميه ويقوّض استقراره، كما ويدمر علاقات لبنان العربية والدولية.

عند هذا الحد فاض كأس حزب الله، واكتشف أن مشكلته لم تعد عند شركائه في الطبقة السياسية، بل لدى جموع واسعة من كل التيارات والمناطق والطوائف التحمت ذات 17 تشرين والتحفت العلم اللبناني وقرّرت رفع صوتها والاجهار بالمكبوتات والمكنونات.

وسط هذا السياق الاستراتيجي أتى اغتيال لقمان سليم، ليفتتح عهد اغتيالات متوالية تحدثت عنها الأجهزة الأمنية اللبنانية في اجتماعات مجلس الدفاع الاعلى، لكنها لم تحدد المستهدفين بالاغتيال، كما أنها لم تحم لقمان سليم عندما طالبها بذلك، وأغلب الظن أنها ستكتفي بإجراء التحقيق بعد كل اغتيال قادم.

ووسط هذا السياق الاستراتيجي وفي ظل المعركة الوجودية التي تخوضها ايران وأذرعها في لبنان والعراق، تنفتح صفحة الاغتيالات لنشطاء ثورة تشرين العراقية ورموز 17 تشرين اللبنانية حتى لو كانوا متقاطعين مع الحزب وذلك بهدف الإجهاز على صوت وحركة الاعتراض الحقيقي على منظومة الأمونيوم والفساد والمال والسلطة والسلاح التي بسبب عقمها السياسي يرفع البطريرك الماروني صوته مطالبا بالحياد، وبمؤتمر خاص حول لبنان برعاية الامم المتحدة. والتي رجمها المطران بولس عبد الساتر  بقوله "لا تنسوا أن التاريخ لا يرحم وسيذكر أسماءكم بين أسماء الطغاة والسفاحين". انه الرجم الكنسي المرادف الموضوعي لشعار 17 تشرين "كلن يعني كلن".

وحده حزب الله صاحب المصلحة الحقيقية الأولى في دحض الاتهامات التي تطاوله وليس نفيها. ويكون ذلك أولا، عبر كشف قتلة لقمان سليم. فهل يفعل؟ نتمنى ذلك، لكن أغلب الظن.. لا.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط