مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال

عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال

تاريخ النشر: 2026-07-21 | 11:52

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
في وقتٍ تنهار فيه مقومات الحياة الأساسية في قطاع غزة، وحين يُصبح الكدح عبئاً، وتتحول فيه أبسط المتطلبات اليومية إلى معارك معيشية قاسية، تقف فئة العمال على خط المواجهة الأول، فهم أولئك الذين رفضوا الاستسلام للبطالة أو الانتظار السلبي في طوابير المساعدات، واختاروا كسب قوت يومهم بعرق جباههم، ليصونوا كرامتهم ويسهموا في استمرار شريان الحياة لمجتمعهم؛ فاشتغلوا بمهن بسيطة ومساعدة في البنية التحتية، أو مهن تعين النازحين وبأدوات بدائية في العمل؛ ولكن الواقع الأليم يضعنا اليوم أمام مفارقة إنسانية واقتصادية شديدة القسوة؛ لقد أصبح العمل خياراً مكلفاً، وأضحى أجر الكدح سبباً مباشرًا في تكرّس الفقر وتعميقه، وسط ظروف عمل مأساوية لا ترتقي للحد الأدنى لمعايير العمل اللائق والكريم. إن التمعن في تفاصيل يوميات العامل في غزة يكشف عن مأساة مركبة تتجاوز حدود تدني الأجور التقليدية؛ حيث يعاني العمال منذ أكثر من ثلاث سنوات من مضاعفة المعاناة وتراكم الأزمات فوق كاهلهم، فكيف لعامل أن يعمل اثنتا عشرة إلى أربع عشرة ساعة متواصلة يومياً في مطعم، أو منشأة خدمية، أو صناعية... إلخ، ليتقاضى في نهاية اليوم أجرًا لا يتجاوز خمسين شيكلاً؟! إن سُلّم الأجور المعتاد وقوانين الحد الأدنى للرعاية الاقتصادية السابقة أصبحت حبراً على ورق ولا قيمة لها في ظل تضخم غير مسبوق في قطاع غزة؛ إذ تظهر الحسابات المعيشية الأبسط أن العامل بات يحتاج إلى ما لا يقل عن 200 شيكل يومياً كحد أدنى استثنائي فقط ليعيش هو وعائلته على الكفاف ويغطي الحد الأدنى من الجوع والماء والمواصلات، في حين تلتهم تكلفة احتياجات بسيطة كالملبس أو بضعة كيلوغرامات من المواد الغذائية الأساسية أجر أسبوع كامل من العمل المضني. فوق كل هذا، تأتي تكلفة المواصلات العالية والندرة الحادة في الوقود لتلتهم نصف الأجر أو كامله، فيقطع العامل مسافات طائلة تحت ظروف جوية قاسية وشديدة التعقيد، ليجد نفسه نهاية اليوم يعود بخفي حنين، بل ومحروماً من المعينات الأساسية كالمياه المجانية أو التكيات أو المساعدات الطارئة؛ لمجرد أنه يُصنَّف إدارياً كـعامل صاحب دخل! يضاف إلى ذلك ظروف العمل غير الملائمة، من انعدام المقومات الصحية والتهوية المناسبة، وصولاً إلى المخاطر الأمنية المباشرة وغياب أدنى أدوات السلامة والصحة المهنية، أو وجود شبكات حماية وتأمين ضد إصابات العمل والعجز. وهنا يفرض السؤال نفسه وبقوة ماذا ننتظر من هؤلاء العمال بعد كل هذا الصبر والاستنزاف؟ هل ننتظر منهم ترك أعمالهم ومساهماتهم الحيوية في إدارة عجلة الحياة اليومية للناس والمجتمع والالتحاق بطوابير البطالة؟ أم أن واجبنا الأخلاقي، الوطني، والمجتمعي هو الانتصار لهمومهم وقضاياهم وتوفير مقومات الصمود الحقيقي لهم؟ إن الانتصار لقضايا العمال لا يكون بالتعاطف الشفهي، ولا عبر الخطابات التسويقية والشعارات البراقة والتلميع الإعلامي والشو الكاذب الذي يبتعد عن جوهر المأساة، بل إن المطلوب هو رؤية تنموية واقعية وتدخلات عملية تعيد هيكلة سياسات التشغيل والأجور لتتلاءم مع استثنائية الظروف الحالية، وفق الأبعاد الرئيسية التالية: أولاً: الدور الرقابي والتنموي للحكومة: إن الحكومة مطالبة اليوم بأداء دورها التنفيذي والرقابي الحازم لمنع تغول الاستغلال وضبط بيئة العمل قدر الامكان، مع تقديم التسهيلات والتيسيرات المناسبة لأصحاب المنشآت والقطاعات الاقتصادية بما يضمن ارتقاء سوق العمل ومواكبته للواقع التدميري بفرص حقيقية، كما يستوجب الوضع وضع خطط تنموية واقعية وبعيدة عن الاستعراض الإعلامي، تتضمن برامج للتدريب والتأهيل المهني وإعادة التأهيل لتنمية مهارات العمال وقدراتهم، وتمكينهم من أدوات عمل كريم تتناسب مع متطلبات المرحلة. ثانياً: الدور الأصيل للنقابات العمالية: أمام معاناة مستمرة لسنوات طويلة، يجب أن يجد العامل من يحمل همه بحق، ويرتقي بمصالحه، ويعلي صوته دون مواربة، وإن النقابات وممثلي العمال مدعوون اليوم لمغادرة مربع الانتظار، والقيام بدورهم التاريخي والميداني لمتابعة مظالم العمال، والضغط نحو إقرار سياسات حماية اجتماعية حقيقية، والدفاع عن حقوقهم في كافة المحافل والمنصات، وكلا في قطاعه المهني. ثالثاً: الحلول اللوجستية وتخفيف تكلفة الصمود: مساعدة العامل على نقل خيمته أو توفير مساحة سكن آمنة ومخدومة بالقرب من مكان عمله يُسقط عن كاهله كابوس أجرة التنقل اليومية، كما أن تعزيز الأجر العيني عبر التزام أصحاب العمل بتوفير وجبة يومية طازجة للعمال وأسرهم، وخدمات الشحن والمياه، يمنح الأجر النقدي القليل قيمة تشغيلية أكبر تسهم في خفض التكاليف المباشرة للعيش. رابعاً: الشراكة الثلاثية لدعم الأجر والأمان الاجتماعي: لا يمكن تحميل صاحب العمل كامل العبء؛ فهو أيضاً يعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع المردود، والحل يكمن في تدخل المؤسسات الدولية والإغاثية لـدعم صمود العامل، عبر تقديم أظرف نقدية تكميلية تعوض الفجوة الحادة بين الأجر الفعلي وحاجته لـ 200 شيكل يومياً، مع شمول العمال بالطرود الغذائية دورياً دون استثناء، وتأسيس صندوق تكافلي طارئ لإصابات العمل والحماية المهنية، حتى لا يُعاقَب المجدّ على جِدّه. خامساً: التعاونيات الإنتاجية كرافع للصمود تؤسس لاقتصاد تضامني: فمن قلب الأزمة، يمكننا انتزاع فرص حقيقية للبناء عبر تحويل العمال من متلقين سلبيين للرعاية والإغاثة إلى قادة حقيقيين للإنتاج، من خلال تشكيل تعاونيات إنتاجية مستقلة في المهن والقطاعات الحيوية؛ كالزراعة، الحرف، المخبوزات، والخدمات الميدانية كصيانة المنازل والمخيمات ومكافحة الحشرات والنظافة، وإن هذا التوجه يقدم نموذجاً أصيلاً للعمل الحر المنسجم مع الواقع، وإذا ما حظيت هذه التعاونيات بالتبني، والدعم الفني والمالي المطلوب، والرعاية الجادة من الحكومات والهيئات ذات العلاقة والمؤسسات الدولية والمحلية، ستتحول إلى ركائز تشغيلية صلبة تعيد تشكيل سوق العمل على أسس متينة من التكافل الاجتماعي والتنمية التشاركية المستدامة. ختاماً، إن العمال في غزة ليسوا مجرد أرقام في سوق العمل أو مادة للاستهلاك الإعلامي، بل هم عصب الصمود الاجتماعي وسياجه المتين، وإن حمايتهم والوقوف معهم ليس منّة من أحد، بل هو واجب وطني وإنساني وحكومي عاجل، وإن استمرار هذا الخلل يعني دفع المئات منهم قسراً نحو البطالة والاتكال الكامل على المعونات، وخلق مشاكل خطيرة تهدد السلم والاستقرار الأهلي والاجتماعي؛ لذا، فإن المطلوب هو تعزيز كرامة العامل الشريف، وجعله قادراً على أداء واجبه المهني وإعالة أسرته بعزة وكرامة، وعلى الجميع، وخاصة الحكومة والمؤسسات الدولية والإغاثية والنقابات وعليها تحمل مسؤولياتهم، وإدراج هموم العمال كأولوية في أي عملية تعافٍ وإعمار لغزة، ليكون السواد الأعظم لمجتمعنا حاضراً ومحمياً في كل المراحل.
×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط