مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عزمى بشارة وتسويق البديهيات

يمكن للمرء أن يتفهم مذهب الدكتور عزمى بشارة كـمفكر فى احتقار نظرية المؤامرة وكذلك سخريته من معتنقيها.لكننا لن نتقبل بالسعة نفسها حديثه كـمناضل وكـ ضحية فى سبيل القضايا العربية التى تعد، بامتياز، بين أعلى تمثيلات نظرية المؤامرة فى التاريخ الحديث. لا أشير هنا إلى الزمار ولا أتساءل عن دافعى أجره بل إلى القراءات المضللة التى يقدمها بشارة لمشاهد سياسية ملتبسة آخرها قراءته لدوافع العنف الداعشى فى أوطان مازال الاستعمار التقليدى يتعامل معها كإرث لا يموت ولا يستحدث. إرث بلا أب ولا أم أعلن تفاصيله ساسة وتجار سلاح ومستشرقون وعملاء قبل أكثر من عشرين سنة، وهى محنة مازالت أكبر من مساخر بشارة من نظرية المؤامرة وأدنى من جحيم دانتى قبل أن يكتشف طريقه إلى المَطْهَر.

لا أعرف، كما لا يعرف غيرى، هل ثمة غفلة يعيشها رعيل من مفكرى الاستبداد العربى تخص ذلك التناقض المذهل بين نصاعة المقول وسوء المفعول، أم هو إدراك متأخر لحكمة الصلح مع آلهة ليست هى آلهة الناس؟!

لا أشك طبعا فى ذكاء الدكتور عزمى بشارة، ولا فى إخلاصه للقضايا الملتبسة التى نذر نفسه للدفاع عنها، بغض النظرعن مرجعياتها الفكرية أوحدودها الأخلاقية. فمن نافلة القول أن بشارة وغير بشارة له بقدر ماعليه مما يقول ويعتقد. من هنا يحق لمريديه التمترس خلف ما يشيعه من مقولات كما أنه من حق غيرهم أن يردوا عليه بضاعته إذا كان الظاهر من فسادها أكبر من ملايين الدولارات المدفوعة لقاء تجميل أعطابها. وقد طالعت مقالا للرجل فى جريدته القطرية العربى الجديد تحت عنوان من يقف خلف داعش؟ سؤال عقيم. أما السؤال فقد باتت تلهج به ألسنة الخلق بعد أن أعيتهم مصكوكات النخبة العربية ردا لإجابات تنطوى على أعلى تمثيلات العقم الذى يشير إليه العنوان والذى يتأكد أيضا من محتواه. فلا ضير من أن يوعز بشارة، فى قراءته تلك، إلى ظهور تنظيم داعش باعتباره تطورا لنموذج السلفية الجهادية التى يفىء منذ سنين تحت ظلالها المخملية.ولن يضيرنا طبعا اعتباره ذلك التنظيم نموذجا للعنف الذى تصاعد بسبب مساحات الفراغ التى نتجت عن فشل الدولة العربية على كافة الأصعدة.هذا اختصار غير مخل، فيما أعتقد، لمجمل فكرة بشارة التى يلوكها يسار الدولة العربية منذ نكبة العام 1948،

وهى قراءة لا تبدو حسنة النوايا سوى من زاوية افتقارها إلى مغامرة التحليل وصدقيته، حيث استنامت إلى قراءات مستقرة شأنها فى ذلك شأن فتاوى الكتب الصفراء التى تنهى عن الاجتهاد لصالح تزكية التجهيل العام.أما الوجه الخفى الذى تتوخاه تلك القراءة فينتهى إلى نفى التهمة التى تصاعد غبارها فى الغرب والولايات المتحدة قبل حوالى شهرين ضد دولة قطر باعتبارها ممولا رئيسيا لداعش وللكثير من المنظمات الإرهابية بعد ثورات الربيع العربى إنفاذا للإرادة الأمريكية نفسها، وهى محاولة لإزاحة الاتهام إلى منطقة رمادية أليفة باتت عصية على الفهم لعدة أسباب:

أولا: قراءة بشارة للأزمة تنطلق من تعريف بائس ينتهى إلى أن المثقف لابد أن يكون مداجيا لقانون مطلق للتقدم ،مايعنى أن هناك ربطا ميكانيكيا بين الدولة القامعة وتنامى العنف الدينى إلى آخر هذه الثنائيات، فإذا ماغابت الأولى غابت الثانية بالضرورة. وهى بطبيعة الحالة قراءة أفقية لقضية غاية فى التعقيد .فحضور الديمقراطية يعد أمرا جيدا لكن غيابها عن كثير من دول العالم لم يسقط منظومة قيمها الإنسانية.

ثانيا: الاعتقاد بأن هناك أنبياء للتقدم وأنبياء للرجعية جعل تعريفات المثقف الطليعى للقيم الكبرى تستمد شرعيتها من القراءة الأخلاقية للتاريخ، ما يجعلنا نقول إننا أمام رواية سلفية.

ثالثا: فى ظل أوسع ديمقراطية فى العالم ظهرت أكبر جماعة للتطهير العرقى فى الولايات المتحدة، وهى جماعة أطلقت على نفسها: كو كلوكس كلان معلنة إيمانها بتفوق الجنس الأبيض.

رابعا: تجاوز السلطة المطلقة للعقل كان ضروريا للإيمان بأن مسيرة البشر ماهى إلا سلسلة من الهزائم والانتصارات وصعود القيمة وتلاشيها، لذلك قد يكون منطقيا، كما يقول نقاد الشمولية، أن تتزامن الثروة مع الفساد كما قد تتزامن الفنون العظيمة مع القمع وفترات الانحطاط .

خامسا : لم يعد بوسع معظم شعوب الربيع العربى تصديق الترهات التى تنتهى عادة إلى تعليق التهمة بجثة الدولة العربية التقليدية التى باتت رميما بعد أن تم تقويضها بالفعل، لاسيما وأن السقوط المروع لبنيتها وفشل معظم بدائله جعل الملايين من شعوب هذه الدول يبكون الماضى الذى خرجوا بالأمس لتحطيم مراياه.

سادسا : عدم قدرة بشارة على هضم نجاح ثورة الثلاثين من يونيو فى مصر دفعه ورفاقه لارتكاب حماقات وضعته فى صفوف الأعداء التاريخيين لقضيته، فبات مطحونا بين رجعيتين إحداهما تمثل نموذج ما قبل الدولة وثانيتهما تمثل أسوأ صورة لنموذج ما قبل الكلونيالية.

لقد أساء الماركسيون العرب إلى توماس كارلايل وأرنولد توينبى لأنهما تمسكا بأسطورة البطل الفرد، لكن المثقفين أنفسهم عادوا فى نهاية حياتهم إلى تقديس أبطال يمثلون أحط صور التخلف والعشائرية. هذا ما يفعله بشارة الآن بعد أن تحول إلى أمثولة فى مرويات الصراع اللا أخلاقى الذى كان يجب عليه أن يجابهه. وقد أدهشنى التعليق المرير الذى أطلقه رئيس وزراء فرنسا بول رامادييه على الشروط التى كانت تفرضها الولايات المتحدة على فرنسا للحصول على نسبة من قرض مشروع مارشال عقب الحرب الثانية حيث قال: مع كل قرض كنا نحصل عليه كنا نفقد جزءا من استقلالنا. وبالطبع يمكن للدكتور عزمى بشارة أن يختار الاسم الذى يناسبه كعنوان لتلك الرواية.

عن الاهرام

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط