مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عتبٌ فلسطيني على تونس

أجل إنه ربيعٌ غاضبٌ عاصفٌ على الفلسطينيين وقضيتهم، قبل أن يكون خريفاً على العرب وشعوبهم، فقد نزلت نسماته لعنةً وناراً وجحيماً على شعبنا المشرد، ومزقته شر ممزق أكثر مما هو مشردٌ، وحرقت جسده قبل أن تحرق ثوبه، وأقصته عن أمته العربية بعيداً، وتركته وحيداً، وتخلت عنه ونأت بنفسها عنه، وقطعت نياط القلب التي كانت تربطه، وأواصر القربى التي كانت تجمعه، فكان ربيعاً حاراً لاهباً عاصفاً حارقاً قاتلاً مشرداً مشتتاً قاصياً قاسياً جافاً يابساً، يبدد الرحمة، ويجافي القلوب، ويباعد بين النفوس، ويوغر القلوب، ويدمي العيون ويبكيها.

أكاد لا أصدق ما تتناقله وكالات الأنباء عن الإجراءات التونسية القاسية الجائرة بحق الفلسطينيين الهاربين من أتون الحرب، ومعامل الموت، وجحيم القتل، والأرض اللاهبة المحترقة، بحثاً عن مكانٍ آمنٍ لفترةٍ قصيرة، وأرضٍ صديقة يقيمون فيها ريثما يعودون من حيث أتوا، فهم لا يحبون الهجرة، ولا يهوون اللجوء، وقد عافوا النزوح، وأيقنوا ألا قيمة للإنسان إلا في مكانه، كما الحجر على أرضه قنطار، فالفلسطيني في دياره أكثر من قنطار، ولكن الظروف خانته، والأحداث جرفته، والمقامرون بمستقبل الأمة غامروا به، وضحوا به، وجعلوا منه ومن قضيته كالقشة في مهب الرياح، يلعب بها العابثون، ويجازف بها المجربون، ويفرط فيها من لا يخلصون لها، ولا يصدقون معها، فكان الفلسطيني قربان الثورة، وكبش الربيع، وفداء الحراك، وهو الذي كان يوماً رمزها، وشعارها المرفوع دوماً، وأيقونتها المقدسة أبداً.

لقد فاجئتنا الحكومة التونسية، باكورة ثورة العرب، وبوعزيزية الغضب، الثائرة على الظلم، والمنتفضة في وجه الجوع والقهر، أنها كانت هي القاهرة الظالمة، وهي المتسلطة المستبدة، القاسية التي لا ترحم، والجائرة التي لا تعرف القربى، والغريبة التي تنكر الأخوة والمودة، فلم تكتفِ بمنع فلسطينيين هاربين من الموت من الدخول إلى بلادهم، أو المرور منها إلى مكانٍ آخرٍ يأويهم ويقبل بهم، بل قامت بتسليم بعضهم إلى السجان يحبسهم، وإلى الجلاد يضربهم، وإلى المقصلة التي قد تقطع رقابهم، وهي العارفة بأحوالهم، والمدركة لمصائرهم، وما قد يحدث لهم إن هم أعيدوا قسراً من حيث أتوا.

قد افتأتت علينا الحكومة التونسية وظلمتنا، واعتدت على حقوقنا، وتخلت عن واجبها تجاهنا، وعاملتنا بغير ما نحن له به أهل، وتجرأت علينا وكأننا أيتام لا أب لنا، ولا من يحنو علينا ويرأف بنا، ويكفف دمعنا، ويسكن جراحنا، فهل يرضى التونسيون عن فعل حكومتهم، وهل يبررون عمل أجهزتهم الأمنية التي تطارد الفلسطينيين على أرضها كمهربين، وتجتجزهم كمجرمين، وتتعامل معهم وكأنهم قد انتهكوا سيادتها، واعتدوا على كرامتها، فتحتجزهم في مراكزِ حجزٍ على الحدود والمعابر، وتحبسهم في المطارات والموانئ، صغاراً وكباراً، ونساء وأطفالاً، وتجبرهم على شراء تذاكر سفرٍ جديدة، تقلهم إلى بلادٍ أخرى، وإن كان فيها حتفهم، وعلى أرضها مقتلهم.

ما كنا نظن أن الحكومة التونسية ستتنكر لقيم ثورتها، وستنقلب على شعاراتها البنفسجية، وستكون أقسى على بضع عشراتٍ من شعبنا، وهم في حالهم الضعيف، وظرفهم الصعب، وأوضاعهم التعيسة البئيسة، وقد ظنوا أن في تونس مأوىً مؤتاً لهم، ومسكناً آمناً يسترهم، وأهلاً كراماً يرحبون بهم، وحكومةً مدنيةً شعبيةً منتخبة ستكون معهم رفيقة ورحيمة، ولكن الواقع كان عكس الأماني، ومخالفاً للتوقعات، إذ كانوا مثالاً سيئاً، وأهلاً عاقين لإخوانهم، كارهين لهم، فلم يكتفوا بأن عبسوا في وجوههم، بل أغلقوا البواب أمامهم، وأعادوهم من حيث أتوا، عقاباً لهم، ودرساً وعبرةً لغيرهم.

في الوقت الذي قامت فيه الحكومة التونسية بطرد الفلسطينيين ومنعتهم من دخول أراضيها، كانت دولٌ أوروبية غربية، مسيحيةً لا مسلمة، غربيةً لا عربية، تفتح أبوابها لعشرات آلاف الفلسطينيين الهاربين من الموت، تستقبلهم وتهتم بهم، وترعاهم وتساعدهم، وتنتشلهم من بين الأمواج ومن براثن الخطر، وتفتح لهم أرضها، وتسكنهم في بيوتٍ لائقة، وتقدم لهم بعض المساعدة التي تمكنهم من العيش الكريم، بعيداً عن سؤال الآخرين والتماس العون منهم.

أليس غريباً هذا التصرف والسلوك، فكم يحزننا نحن الفلسطينيين أن نجأر بالصراخ، ونرفع الصوت عالياً، عاتبين على شعبنا وأهلنا في تونس، مستغربين تصرفهم، ومنكرين فعلهم، ألم تتخلصوا من الديكتاتورية والاستبداد، ألم تلفظوا حكم الفرد وسلطة البوليس، ألم تصبح حكومتكم شرعية، بعد انتخاباتٍ برلمانية، تقرر الأنسب والأفضل لكم ولشعبكم، فإلام هذا السلوك، ومن الذي أجبركم عليه، أو دفعكم إليه، فهذا فعلٌ ينافي الرجولة، ويتعارض من النبل والشهامة، وليس فيه من شيم العرب الكرام شئ.

هل تظنون أن الفلسطينيين سيستوطنون أرضكم، وسيسكنون مكانكم، وسينازعونكم أرضكم، وسينافسونكم على رزقكم، وسيزاحمون عليكم بلادكم، وسيخربون عيشكم، وسيفسدون عليكم هناء أيامكم، فقررتم طردهم قبل أن تحل عليكم لعنتهم، أو ينزل بكم سخطهم، وقد كان الأجدر بكم أن تستقبلوهم وهم بضع عشرات، وأن تكرموهم وهم اللاجئون إليكم، الآملون فيكم، الراجون لفضلكم، فبذا تكبرون وتسمون، وبهذا الفعل تُحمدون وتُشكرون، وبه تُذكرون بالخير وأنكم أهل النخوة والوفاء.

بكل الحزن نخط هذه الكلمات ونحن ننظر إلى تونس الخضراء بأنها بعض حلمنا، وجزءٌ عزيزٌ من أرضنا، وقطعةٌ غاليةٌ من وطننا، فأهلها كانوا وما زالوا معنا، وإلى جانب شعبنا، يحبوننا ويتمنون لنا الخير، ويسعون لصالحنا، ويضحون من أجلنا، ولا يتأخرون عن نصرتنا، ولا يترددون في تقديم العون لنا، فالله الله يا شعب تونس عندما تستدركون ما فات، وتصلحون الخطأ، ولا تستمرون فيه، بل تتراجعون عنه، وكونوا واثقين أننا عابرون لا أكثر، فنحن نتمنى العودة إلى بلادنا وديارنا، ونحن نحب البلاد التي آوتنا وفيها سكنا، ونهوى مخيماتنا ونَحِنُ إليها، فهي علينا عزيزة، لأن فيها شيئاً من الوطن، وبعضاً من ذاكرته التي لن ننساها.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط