مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

عام على قصف الدوحة حين استُهدفت الوساطة

عام على قصف الدوحة حين استُهدفت الوساطة

تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:16

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

في التاسع من سبتمبر 2025 لم تكن الدوحة أمام حادث أمني عابر يمكن إدراجه في سجل العمليات الإسرائيلية ثم تجاوزه بل كانت أمام واقعة ذات دلالة استراتيجية وقانونية تتجاوز حدود الهدف المباشر للعملية فقد كان وفد حماس المفاوض موجودا في العاصمة القطرية لمناقشة مقترح أمريكي يتعلق بوقف الحرب بينما تعرض المكان الذي يحتضن العملية السياسية لهجوم إسرائيلي استهدف قيادات الوفد وفي مقدمتهم خليل الحية وبذلك انتقلت المواجهة من جغرافيا الحرب في غزة إلى فضاء السيادة العربية وإلى قلب العملية الدبلوماسية ذاتها
المفارقة الكبرى أن إسرائيل لم تضرب وفدا عسكريا في ميدان مفتوح وإنما استهدفت وفدا سياسيا كان يجتمع داخل دولة ذات سيادة وتؤدي وظيفة الوسيط في واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط وهي مفارقة تكشف طبيعة العقل السياسي الإسرائيلي الذي لا يرى في الحدود السياسية والقواعد الدبلوماسية قيودا مطلقة عندما تتعارض مع حساباته الأمنية وهنا يصبح السؤال أعمق من مسألة الاغتيال ذاته لأن الاعتداء على الوسيط يعني عمليا الاعتداء على البيئة السياسية التي يفترض أن تسمح بالتفاوض وتبادل الرسائل وصناعة التسويات
لقد كان المشهد أكثر دلالة لأن الوفد لم يكن يجتمع لمناقشة استمرار الحرب وإنما لبحث مقترح أمريكي لوقفها وهذا يجعل العملية من منظور سياسي استهدافا مزدوجا الأول استهداف قيادات حماس والثاني استهداف احتمالات التفاهم التي كانت واشنطن تحاول هندستها وبين المستويين تظهر مشكلة استراتيجية كبرى مفادها أن القوة حين تدخل إلى غرفة التفاوض من الباب العسكري فإنها تفرغ الدبلوماسية من مضمونها وتحول الاتفاقات من أدوات لإدارة الصراع إلى أوراق قابلة للحرق كلما قرر طرف امتلاك حق الفيتو بالقوة
ومن هنا ينبغي قراءة الدوحة باعتبارها اختبارا لمفهوم السيادة في النظام الإقليمي العربي فالسيادة ليست علما يرفع على مبنى ولا حدودا مرسومة على خريطة وإنما هي قدرة الدولة على حماية مجالها السياسي والقانوني ومنع قوة أجنبية من تحويل أراضيها إلى ساحة عمليات دون تفويض أو مساءلة وعندما تقع عملية عسكرية داخل دولة وسيطة فإن المسألة لا تتعلق بالدولة المستهدفة وحدها بل تمس منظومة العلاقات الدولية التي يفترض أن توفر الحد الأدنى من الحصانة للمسارات الدبلوماسية والوساطات السياسية
كما أن البعد القانوني للواقعة لا يقل أهمية عن بعدها السياسي فاللجوء إلى القوة داخل إقليم دولة أخرى يضع أمام المجتمع الدولي أسئلة تتصل بمبادئ السيادة وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وإذا كانت الوساطة تحتاج إلى بيئة آمنة حتى تنجح فإن استهداف الوسطاء أو أطراف التفاوض يهدد إحدى الأدوات الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث وهنا تكمن الخطورة الحقيقية لأن التساهل مع سابقة كهذه لا يجعل الفلسطينيين وحدهم أكثر عرضة للخطر وإنما يفتح الباب أمام تحويل العواصم الوسيطة إلى أهداف مشروعة في منطق القوة
بعد عام تبدو المفارقة أكثر عمقا فقد نجا خليل الحية والوفد القيادي بينما استشهد نجله همام ومدير مكتبه وثلاثة من مرافقيه وعنصر من الأمن القطري ثم عاد الرجل نفسه إلى صدارة المشهد السياسي للحركة في وقت اختارت فيه حماس الانخراط مجددا في المسار السياسي والتعامل مع خارطة ملادينوف باعتبارها مسارا لتنفيذ خطة ترامب وهذا التطور يكشف أن محاولة تصفية القيادة لم تنجح في تحقيق الغاية السياسية التي يمكن افتراضها وهي إخراج الحركة من المجال التفاوضي أو فرض معادلة سياسية جديدة بواسطة الاغتيال
والأخطر أن إسرائيل في المقابل لم تواجه حتى الآن مستوى من المساءلة يتناسب مع خطورة ضرب طاولة تفاوض في دولة وسيطة ولذلك فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى سنوية لاستحضار الضحايا وإنما إلى سؤال استراتيجي حول مستقبل الدبلوماسية في المنطقة فإذا كان الطرف الذي يملك التفوق العسكري يستطيع تعطيل التفاوض متى شاء دون تكلفة سياسية وقانونية رادعة فإن أي اتفاق يصبح معرضا للانهيار عند أول اختبار حقيقي وتصبح الوساطة نفسها وظيفة محفوفة بالمخاطر وقد تتردد الدول في استضافة المفاوضات إذا لم تكن قادرة على حماية أراضيها وممثليها وضيوفها
إن ذكرى الدوحة بعد عام ينبغي أن تتحول لذلك من مناسبة لاستعادة تفاصيل الهجوم إلى مناسبة لإعادة تعريف المشكلة فالخطر لم يكن في الصاروخ وحده وإنما في الفكرة التي حملها الصاروخ وهي أن القوة تستطيع أن تعيد رسم حدود السياسة وأن الاغتيال يمكن أن يصبح أداة لإدارة المفاوضات وأن سيادة الدول يمكن أن تتراجع أمام فائض القوة وهنا تتقاطع السياسة مع الفلسفة والقانون لأن النظام الدولي لا يستمد استمراره من توازن القوة وحده وإنما من قواعد يعتقد الجميع أنها ملزمة فإذا أصبحت القاعدة انتقائية والمساءلة انتقائية تحولت الدبلوماسية إلى هدنة مؤقتة بين جولات من الإكراه ومن ثم فإن السؤال الذي تطرحه الدوحة بعد عام ليس من نجا ومن استشهد فقط وإنما من يملك حق حماية طاولة التفاوض ومن يضمن ألا تتحول أي عاصمة عربية تستضيف السلام غدا إلى هدف عسكري اليوم فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة فإن المشكلة ليست في مستقبل اتفاق بعينه وإنما في مستقبل فكرة الوساطة ذاتها.

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط