مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

طلاق يدمِّر الأسرة الأوروبية

طلاق يدمِّر الأسرة الأوروبية

تاريخ النشر: 2018-12-01 | 09:53

كان واضحاً منذ أربعة عقود أن هذا زواج مصلحة ومساكنة، وأنه لن يدوم طويلاً، وكان واضحاً أن «روح الإمبراطورية» التي صارت تغيب عنها الشمس، بعدما فقدت مناطق نفوذها في العالم، ستجعل من دخول بريطانيا إلى الوحدة الأوروبية، قصة فيها كثير من المعاناة، كما تجعل من خروجها الآن قصة مأساوية، فيها كثير من الأحزان والمخاوف!
كانت بريطانيا مهتمة بالمزايا الاقتصادية، التي يمكن أن تحصل عليها من السوق المشتركة، أكثر من اهتمامها بعناصر القوة ووحدة الموقف مع الأشقاء الأوروبيين، اللتين توفرهما الوحدة بين دول القارة العجوز. كانت تريد دائماً أن تكون شريكاً مضارباً في السوق، يستفيد مثلاً من منافع رفع الإجراءات الجمركية بين الأعضاء، أكثر من أن يكون عضواً مندمجاً في هذه السوق. والدليل أنها لم تبدِ أي حماسة لتكون عضواً في أولى خطوات الوحدة الأوروبية، وهي قيام تجمّع الحديد والفحم عام 1952، ورفضت قبول اتفاق روما عام 1957 الذي ضم بداية ست دول!
من حقائق التاريخ أن الجنرال شارل ديغول، كان يعرف جيداً سيكولوجيا وروح الإمبراطورية، التي لجأ إليها قبل النزول الكبير في النورماندي وتحرير فرنسا، ولهذا لم يتردد في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1967، من أن يقف داخل قصر الإليزيه أمام مئات من الدبلوماسيين وكبار رجال الدولة الفرنسيين، ليقول بالحرف: «إن بريطانيا تملك كراهية عنيفة ومتجذرة حيال الكيانات الأوروبية»، محذراً منذ ذلك التاريخ من أن دخولها كعضوٍ في السوق الأوروبية سوف يؤدي في النهاية إلى تمزيق هذه السوق!
عام 1961 طلبت بريطانيا الانضمام إلى السوق الأوروبية؛ لكن ديغول تمسّك برفض الطلب رغم موافقة الدول الأخرى، ولهذا لم تصبح عضواً إلا عام 1973، أي بعدما كان ديغول قد اعتزل الحكم في عام 1969.
وحتى بعد ذلك التاريخ، بدا أنها تريد أن تكون عضواً بميزات خاصة، ولهذا عندما قررت دول الاتحاد الإجراء الموحد لنظام تأشيرات الدخول «شنغن» رفضت الانضمام إليه، ثم رفضت أن تشترك في نظام العملة الموحدة «اليورو»، واحتفظت بالجنيه الإسترليني، وبسلطة بنك إنجلترا المركزي في تحديد أسعار الفوائد!

حزب المحافظين المفعم بالاعتداد الإمبراطوري، لم يكن متحمساً لعضوية بريطانيا الأوروبية، رغم كل ما قاله ونستون تشرشل عن فوائد الوحدة الأوروبية الكاملة، وهكذا عندما حلّت مارغريت ثاتشر في رئاسة الوزراء، صرخت بصوت غاضب عام 1990 قائلة: «لا لا لا»، رداً على اقتراح بتشكيل ما سُمي يومها «الولايات المتحدة الأوروبية»!
لم يكن زواجاً عن اقتناع قط، كان ارتباط مصلحة، اهتز بقوة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وما أثارته من تململ القاعدة الشعبية للمحافظين حيال المهاجرين من دول أوروبا الشرقية، التي انضمت إلى الاتحاد، وهكذا ربما تسرّع ديفيد كاميرون بإجراء استفتاء «بريكست» الذي أيده 52 في المائة من البريطانيين، والذي سيطلق رياح المخاوف من دومينو طلاقات أخرى، لا تقتصر فقط على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ بل تطلق وتعصف في مشاعر اسكوتلندا وآيرلندا، الانفصالية الكامنة!
الاستطلاعات الأخيرة أظهرت مثلاً أن المقيمين في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية يعتبرن أنفسهم أوروبيين، ولهذا ليس غريباً أن ترتفع حدة المطالبة بإعادة الاستفتاء في اسكوتلندا على انفصالها عن المملكة المتحدة، لتنال الاستقلال وتنضمّ إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن الأمور في ظل تنامي المشاعر القومية والميل إلى الانفصال، في عدد من الدول، قد تصل إلى أبعد مما يهدد وحدة المملكة المتحدة لتطال الوحدة الأوروبية، وحتى الوحدة القومية داخل عدد من الدول!
في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية نهاية يوليو (تموز) من عام 2016، يقول روشير شارما، مؤلف كتاب «صعود الأمم وانهيارها» والخبير الاستراتيجي في مركز «مورغان ستانلي»، إن الصدمة الهائلة التي أحدثتها نتائج استفتاء «بريكست» تثير أسئلة مقلقة، حول احتمالات انتقال العدوى إلى دول أخرى، والسؤال في طول القارة وعرضها: من التالي؟ ذلك أن انفصال بريطانيا يُعد كارثة مُعدية أكثر من كونه مرضاً محصوراً، وقد يؤدي إلى انهيار النظام الأوروبي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية!
قياساً بما جرى في باريس هذا الأسبوع، يبدو تحليل شارما رؤيوياً عندما يقول إنه بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، فإن كل القادة والسياسيين الذين انتخبتهم الشعوب للتخفيف من حدة الأزمة وتداعياتها لم يقدموا شيئاً، وهو ما يشعل الغضب الشعبوي الذي يستغلّه أمثال دونالد ترمب ومارين لوبان!
وعندما يتحدث شارما عن «عدوى الانفصال» في الدول الأوروبية، لا نتذكّر رياح مارين لوبان في باريس فحسب؛ بل أيضاً غليان جزيرة كورسيكا الفرنسية التي حملت السلاح حتى عام 2014 مطالبة بالاستقلال، وروح الانفصال في كاتالونيا الإسبانية، معطوفة على شقيقتها الحركة الباسكية التي لم تنطفئ بعد. أما في بلجيكا فهناك نزعة الفلامندر الاستقلالية، التي تذكرنا بإقليم فينيتو الإيطالي، الذي نظم استفتاء للانفصال عام 2014، أيده 89 في المائة من السكان، ورفضته روما.
ربما لهذا، بعدما صادق قادة الدول الأوروبية يوم الأحد الماضي، على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد، قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر: «هذا يوم حزين. إن خروج بريطانيا أو أي دولة أخرى من الاتحاد الأوروبي لا يدعو إلى الاحتفال، إنها لحظة حزينة، إنها مأساة!».
ليس خافياً على أحد هنا أن الحزن على الطلاق مع بريطانيا، لا يمكن أن يوازي الخوف المتصاعد من مأساة احتمال تفكك الأسرة الأوروبية، وخصوصاً أن هذا الطلاق يأتي كما هو واضح وحاصل، وسط الصعود المقلق للحركات القومية، وتنامي النزعة الفاشية في الأعوام الأخيرة. ولهذا سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإعلان فور المصادقة على الاتفاق مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إلى القول: «إن (بريكست) يشكّل دليلاً على أنها لحظة حرجة. والاتحاد الأوروبي بحاجة إلى إعادة تأسيس، إنه يعاني ضعفاً؛ لكنه قابل للتحسن!».
ولكن كيف؟
إنه السؤال الأكثر أهمية، في وقت يغرق فيه البريطانيون أنفسهم في وابل من الأسئلة، ليس بسبب الاستقالات الوزارية التي دهمت تيريزا ماي؛ بل بسبب الانقسام حول ثلاثة أمور؛ فهناك من يؤيد الانفصال، وهناك من يعارض الانفصال، وهناك من يعارض صيغة الاتفاق الذي وقعته ماي لتنظيم الطلاق، ومسألة «المؤخّر والمقدّم»، وقواعد العلاقات المستقبلية بين بريطانيا ودول السوق.
في السادس من نوفمبر الماضي، أفاد استطلاع للرأي، يعد الأكبر من نوعه، بأن البريطانيين كانوا سيصوتون لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي بنسبة 54 في المائة، مقابل 46 في المائة؛ لكن تيريزا ماي رفضت دائماً هذه الفكرة، بحجة أن العودة عن نتائج الاستفتاء الأول، الذي أجري في يونيو (حزيران) عام 2016 ستكون خطوة تهدد روح الديمقراطية البريطانية!

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط