مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

صوت ممداني يهزّ جدران واشنطن وتل أبيب

صوت ممداني يهزّ جدران واشنطن وتل أبيب

تاريخ النشر: 2025-11-11 | 15:50

بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كانت نيويورك هذه المرة تعدّ لثورة صامتة من نوع مختلف. ففي مدينة ظلت لقرون معقلاً للتبادل التجاري والثقافي، ها هي اليوم تشهد تحولاً في البنية السياسية العميقة.

إن فوز زهران ممداني بمنصب العمدة هو إعادة تشكيل للخريطة السياسية في إحدى أهم مدن العالم.

لكن هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد تراكم الغضب الشعبي خلال السنوات الأخيرة من سياسات إدارة ترامب التي عمّقت الانقسامات، وروّجت لخطابات عنصرية متطرّفة ضد المهاجرين والمسلمين والسود. ومع تصاعد تلك السياسات، بدأ وعيٌ جديد يتكوّن في المدن الكبرى، خاصة نيويورك، التي لطالما كانت مرآة التنوع الإنساني.

وفي الوقت ذاته، كان العالم يشهد انكشافاً غير مسبوق لـ حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل السردية الفلسطينية تخرج من الهامش إلى مركز النقاش العالمي، مؤثّرة في ضمير الناخبين الأميركيين.

كان المشهد مميزاً ذلك المساء، حين وقف ممداني أمام أنصاره في قاعة مليئة بالبشر على اختلاف أعراقهم ومُعتقدهم. لم تكن تلك لحظة احتفال تقليدي، بل كانت تتويجاً لرحلة تحدّي استمرت سنوات، واجه خلالها ممداني أعتى الحملات التشويهية التي قدّمها تحالف غير مسبوق جمع بين أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واللوبي الصهيوني والحكومة الإسرائيلية.

الحقيقة في مواجهة المال والنفوذ

لقد شهدت الحملة الانتخابية هجوماً شرساً تم تمويله بملايين الدولارات من أجل تشويه صورة ممداني، فقط لأنه تجرّأ وتبنّى السردية الفلسطينية، ورفض الاستمرار في تزوير الحقائق التي تروّجها الإدارة الأمريكية الشريكة للحكومة الإسرائيلية.

لقد حاولوا تحويل دعمه للقضية الفلسطينية إلى تهمة، لكن ناخبي نيويورك اختاروا سماع الصوت الآخر، الصوت الذي يقول الحقيقة التي يرفض الكثيرون رؤيتها.

ولم يكن ذلك بمعزل عن تأثير المشهد العالمي، فصور الدمار في غزّة، والمجازر التي ما زال الجيش الإسرائيلي يرتكبها، والاحتجاجات التي عمّت الجامعات الأمريكية في الماضي القريب، كلها ساهمت في إعادة تشكيل الوعي العام في العالم. وفي مواجهة إرث الخطاب الترامبي المتطرّف، وجد الناخبون في ممداني ضالتهم للإنسانية والعدالة، لا سيما تجاه الفلسطينيين.

صراع بين سرديتين

ما يجعل هذه القصة أكثر إثارة هو أنها لم تكن مجرّد صراع بين مرشحين، بل كانت معركة بين سرديتين؛ من ناحية، السردية التقليدية التي ظلت مهيمنة لعقود، تقول إن نيويورك مدينة لا يمكن قيادتها إلا بمنطق القوة والمال والولاءات التقليدية واللوبيات الصهيونية، ومن ناحية أخرى، سردية جديدة تطرح نفسها بقوة، تقول إن السياسة يمكن أن تُبنى على أسس العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني والمواقف المبدئية والحقيقة الصّمّاء.

لقد أدرك الناخب في نيويورك أن الصمت أمام العنصرية، سواء كانت محلية أو دولية، لم يعد ممكناً، فكما رفض إرث ترامب وخطابه الإقصائي، رفض أيضاً التواطؤ السياسي والإعلامي مع آلة الحرب الإسرائيلية. وهكذا التقت القضيتان: رفض العنصرية الداخلية ونصرة الحق الفلسطيني في وعي الناخب الأمريكي، لتشكلا القاعدة التي حملت ممداني إلى منصب عمدة نيويورك.

لعل أكثر ما يلفت النظر في هذه القصة هو توقيت حدوثها، ففي وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً سياسياً حاداً، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية والعنصرية، تخرج نيويورك بصوت مختلف؛ صوت يقول إن التعايش ممكن، وإن التنوع مصدر قوة، وإن القيم الإنسانية المشتركة يمكن أن تجمع ما تفرّقه السياسة وأن القضية الفلسطينية وصلت من شدة القتل بين الفلسطينيين إلى الشعوب العالمية وإلى أزقّة المدن لتُحدد من يدخل أروقة القرار السياسي في نيويورك.

بداية فصل جديد نحو الشرق الأوسط

القصة الكبرى هنا لا تتمثّل في حصول مسلم على منصب مهم، بل في تحوّل مجتمعي أعمق؛ إنها قصة مدينة تعيد اكتشاف هويتها، قصة جيل جديد يرفض أن يكون سجين الخيارات السلطوية بالتلقين، قصة مجتمع قرر أن يكون صوت الضمير الإنساني في زمن الصمت.

لكن هذا الانقلاب لا تقف عند حدود المدينة التي تنام، فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط كما العالم كلّه، والقضية الفلسطينية تحديداً، أثبتا أن التغيير الحقيقي لا يأتي من التضحية الفلسطينية النضالية وحدها، فالولايات المتحدة هي البلد الذي يمسك بمفاتيح القرار الدولي، وما حدث في نيويورك اليوم ليس مجرّد فوز انتخابي محلي، بل بداية تغيّر القناعات في البنية العميقة للوعي الأمريكي تجاه فلسطين.

لقد أدت اعتصامات الطلاب في الجامعات الأمريكية، واحتجاجاتهم ضد تمويل آلة الحرب الإسرائيلية، إلى إعادة صياغة الخطاب العالمي حول العدالة والاحتلال والحرية. هذه الحركة الشبابية كانت المرآة التي عكست روح التغيير التي حملها ممداني في حملته الانتخابية، وربطت بين الضمير الأمريكي والحق الفلسطيني.

ومن هنا، فإن فوز زهران ممداني لا يمثّل فقط انتصاراً لنيويورك كمدينة متعددة الثقافات، بل هو أيضاً إشارة سياسية كبرى إلى أن طريق التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من الداخل الأمريكي نفسه، فإذا تغيّر وعي المواطن الأمريكي ومعه القرار السياسي، وتبدّل اتجاه المدينة التي تتبنى الخريطة السياسة الدولية بما فيها مصير فلسطين، ستبدأ بالتحرّك نحو تعميق الحقيقة وإنهاء تسويق الولايات المتحدة لدور الاحتلال بالضحية.

 
×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط