مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

صداع المذكَّرات.. ومخاطر إفرازاتها

صداع المذكَّرات.. ومخاطر إفرازاتها

تاريخ النشر: 2023-01-10 | 11:21

مثل غيري، أحياناً أجد نفسي مأخوذاً بأهمية تدوين ما يمكن مما شاهدته ومما عايشته عبر ثلاث محطات، كان موقعي فيها قريباً من أصحاب القرار ومن أهل السلطة، وآخر هذه المحطات وجدت نفسي موجوداً بين قياديي الخليج التاريخيين الذين وقعوا على وثيقة قيام مجلس التعاون في مدينة أبوظبي في مايو 1981، وأعترف بالتخوف من مفاجآت المذكرات، ويزداد هذا التخوف مع قراءة ما تنشره صحافة بريطانيا عن مذكرات الأمير هاري Harry، التي ستصدر في كتاب في العاشر من هذا الشهر، إضافة إلى ما سبق نشره عن البرنامج التلفزيوني الذي قدمه الأمير هاري وزوجته ميغان Meghan في حلقات على موقع Netflix series، وما تضيفه الصحافة حول ردود فعل الملك تشارلز وولي العهد وليام، عن إسقاطاتها المزعجة على الأسرة.

كتابة المذكرات، في العالم العربي، أمر ليس سهلاً، خاصة إذا التزمت الموضوعية وتبنت الصراحة فيما تكشفه من حقائق، وقد اعتاد القراء العرب على قراءة مذكرات عربية كلها مديح وثناء على القائد وعلى حنكته وحسن قيادته، وعما يحتكره من حكمة وقدرة على التنبؤ باحتمالات المستقبل، خاصة أن معظم الأنظمة لا تستذوق مبدأ حق التعبير عن الرأي، لأن فلسفة الإعلام فيها طمس الحقائق والثناء على عبقرية إنجازاتهم.

ومع إيماني بحق الشعوب بقراءة تاريخها كما سجلته الوقائع ورفضها للتشويه الذي تجد فيه القيادة مقراً مريحاً لها يحميها من إحراجات الحقائق، فقد أصبح على من يكتب المذكرات من الذين أوصلتهم دروب الحياة إلى الاقتراب من موقع القرار أن يمارس الحذر والابتعاد عما يجرح أو يحرج، وينسجم مع حدود الحرية التي تسمح له بتسجيل الممكن.

ولنعترف بأن هذه مسؤولية ثقيلة ومحرجة للكاتب مهما اتسع إيمانه بحق الشعب بحرية التعبير.. وانسجاماً مع هذا النهج الحذر، وبعد انتهاء مهمتي في مجلس التعاون أصدرت كتاباً «بين الملوك والشيوخ والسلاطين»، مستعيناً بيوميات كنت أسجلها، تنقل باختصار ما شاهدته ودونته في ذلك اليوم، ليس محصوراً في السياسة فقط، وإنما في المسار اليومي الذي أعيش فيه، سواء وجودي في مسرح الباليه في نيويورك أو في اجتماع للمجلس الوزاري لمجلس التعاون.. أردت من ذلك الكتاب الذي صدر في ثمانمئة صفحة، أن أقدم وثيقة عن حقائق مجلس التعاون للباحث والقارئ، ولمن يحلم بالتخصص في الشأن الخليجي من الأكاديميين، متصوراً أن ما سجلته في ذلك الكتاب يوفر حاجة الباحث عن هوية مجلس التعاون، وأعترف أكثر بأن ما دفعني لكتابة ذلك السجل الواسع جاء من حملة مارسها بعض المجتهدين الكويتيين لإثارة الغبار السيئ لنوايا مجلس التعاون والتشكيك في أهدافه، وكان ذلك في سنواته الأولى.

كانت فرحة الخليج بقيام مجلس التعاون طبيعية وتلقائية، فقد جاءت من إدراك وتفهم للوقائع التي أقنعت قياديي الخليج بضرورة قيام مجلس التعاون الذي وُلد في أجواء عربية إقليمية مضطربة، ثورة راديكالية في إيران بمحتوى ديني يثير الجوار، وحرب عراقية ـــ إيرانية مست الأجواء في منطقة الخليج وسحبتها إلى حافة الانفجار، وتفكك عربي تولد من زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل وتوقيع اتفاقية السلام المصرية ـــ الإسرائيلية، وما سببته من انقلاب في ميزان القوى الإقليمي، رافقتها حملة تشكيك حول مواقف دول الخليج من معاهدة الصلح المصرية ـــ الإسرائيلية وتطاول الراديكالية العربية على دور دول الخليج المستقبلي تجاه القضايا العربية، خاصة موضوع فلسطين.

وسجلت في الكتاب التباينات في اجتهادات الدول الأعضاء وتوقعاتها من المجلس، ولا سيما دور الكويت في الإصرار على تكثيف الترابط التجاري والاقتصادي والاستثماري وترك الشأن الأمني والعسكري إلى مراحل مستقبلية، بينما الآخرون، خاصة سلطنة عمان، التي قدمت مذكرة في اللقاء التاريخي الأول عن التعاون العسكري، فقد كانت تعاني من تدخلات اليمن الجنوبي، اليساري المذاق، والثوري التوجه، بتحريك تجمعات عسكرية ضد السلطنة في إقليم ظفار، ولهذا قرر المجلس في قمة أبوظبي تفويض دولة الإمارات والكويت لزيارة اليمن الجنوبي لشرح منطلقات الخليج الجديدة، أبرزها وضع نهاية للحروب والتدخلات في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وتطورت العلاقات مع اليمن الجنوبي، الذي اكتشف بأن المواجهة ستكون مع جميع الخليجيين، وتراجعت المشكلة وانتصرت السلطنة وتبعثر الثوار.

كان الأمل بأن توحد دول الخليج مواقفها الدبلوماسية من القضايا السياسية والاقتصادية العالمية مع قيام المجلس، بحيث تلتقي وتلتصق هذه المواقف في مضمونها وفي نظراتها تجاه الأحداث وفي لون دبلوماسيتها مع الدول الكبرى، غير أن التوجه كان تَرْك ذلك مؤقتاً لعله يتحقق مع غزارة التجربة الخليجية.

ولكن الأمل في هذا التلاقي السداسي بوحدة المواقف لم يرتفع إلى مستوى التمنيات، والسبب الأول والأكثر تأثيراً التزام الكويت خطوطها التي رسمها الشيخ صباح الأحمد، وظل حارساً ومؤتمناً على سلامتها، وهي البعد الحساس من الاقتراب من الدول الكبرى، بينما بقية الأعضاء يتقاربون في علاقاتهم مع الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين وضعت الكويت العلاقات معهما في الإطار الاعتيادي المعروف أو ما يطلق عليه باللغة الإنكليزية Practical and Correct، وبرز ذلك التباين مع تصاعد الأزمة التي افتعلها صدام حسين في يوليو 1990، عندما كان التوجه العام في اجتماعات المجلس الوزاري التعاون مع الحلفاء، وهو الأسلوب الناجع الذي اتبعته دولة الإمارات، وكان التصور أن تخطو الكويت مثلها، لكن المرحوم الشيخ صباح الأحمد أخذ في تقديراته القناعة الكويتية المستقرة في الابتعاد عن الدول الكبرى وفضَّل تأكيد الثقة في مساعي الدبلوماسية العربية التي تولدت مع شروط عضوية الكويت في الجامعة العربية، بالاعتماد على العرب والابتعاد عن الغرب.

كان الآخرون أكثر انطلاقاً في اختياراتهم الدبلوماسية والإستراتيجية، بينما الكويت عانت من الإرهاق السياسي الذي حصر اختياراتها الدبلوماسية في إطار الجامعة العربية..

علينا أن نتذكر أن انضمام الكويت إلى الجامعة العربية في يوليو 1961 كان مشروطاً بانسحاب القوات البريطانية وإبدال قوات رمزية عربية بها، وتم ذلك الخيار بعد أن تم وضع الفيتو العربي على خيارات الكويت، وصارت الكويت الدولة الوحيدة في الجامعة العربية التي وضع لها سقف بخيار واحد، هو الجامعة العربية، وبهذا تم حصر الكويت في أحضان الجامعة العربية، التي تهرَّب أحد عشر عضواً من المسؤولية التاريخية لإدانة الغزو، التي يفرضها ميثاق الجامعة على أعضائه.

مواقف دول مجلس التعاون حول الشأن العربي تظل ساطعة في إيجابياتها، في الحفاظ على سلامة القضايا العربية سياسياً وتنموياً، مع إبراز موضوع فلسطين، ففي نوفمبر عام 1981 في قمة الرياض اتفق القادة على طرح مبادرة ولي عهد المملكة، الأمير فهد بن عبدالعزيز، على القمة العربية التي ستُعقد في المغرب حول الدولة الفلسطينية في حدود عام 1967، وصادق القادة العرب عليها في قمة المغرب.

أعود إلى مصير الكتاب «بين الملوك والشيوخ والسلاطين»، فرغم محتواه، لم يبرز في عالم المعرفة والنشر، والسبب غياب الإثارة، والالتزام بتدوين الممكن واحترام أثقال المأمورية.

عن "القبس" الكويتية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط