مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

صحافةُ القشور...

صحافةُ القشور...

تاريخ النشر: 2026-08-11 | 12:27

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس
ليست أخطر أزمات الصحافة أن تخطئ في نقل خبر، فالأخطاء المهنية يمكن تصحيحها والاعتذار عنها. الأخطر أن تتحول الصحافة من مهنة للبحث عن الحقيقة إلى صناعة للانطباع؛ تغوص في القشور، وتسبح في بحر المجاملات، وتبحث عن رضا البعض، أو عن مزيد من المشاهدات، على حساب التحليل الرصين والحقائق التي قد تكون أقل إثارة وأكثر أهمية. وهنا تتجاوز المسألة حدود ما يسمى تقليديًا بـ«الصحافة الصفراء». فنحن أمام ظاهرة أوسع: سطحية في قراءة الأحداث، وانتقائية في عرض الوقائع، ومجاملة تتحول إلى انحياز، وإثارة تحل محل الفهم. فالخبر يقول لنا ماذا حدث، أما الصحافة الحقيقية فتذهب أبعد من ذلك: لماذا حدث؟ وما سياقه؟ وما جذوره؟ ومن الأطراف المؤثرة فيه؟ وما المصالح التي تحركه؟ وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه؟ التحليل يبدأ حيث ينتهي الخبر. وحين تكتفي وسائل الإعلام بإعادة نشر التصريحات، وتجميع المواقف، وتضخيم التفاصيل الهامشية، فإنها قد تكون قد نقلت المعلومات، لكنها لم تساعد القارئ على فهم الحقيقة. من الخبر إلى صناعة الانطباع المشكلة ليست دائمًا في الكذب الصريح؛ فقد يكون التضليل أكثر نعومة وخطورة. يمكن أن تكون كل معلومة منشورة صحيحة، لكن اختيارها وانتقاءها وترتيبها وسياق تقديمها يصنع صورة مضللة. فإخفاء السياق، واجتزاء الوقائع، وإبراز جزء من الحقيقة وإهمال أجزاء أخرى، قد يؤدي إلى نتيجة لا تقل تضليلًا عن اختلاق الخبر. وهنا يصبح الإعلام قادرًا على صناعة حقيقة ناقصة تنتج وعيًا خاطئًا. وفي عصر المنصات الرقمية، ازدادت هذه المشكلة تعقيدًا. فالخبر الذي يثير الانفعال ينتشر أسرع من التحليل الذي يحتاج إلى وقت للقراءة والتفكير، والعنوان المثير يجذب الانتباه أكثر من التحقيق المتأني، والمقطع القصير قد يسبق الوثيقة والسياق والتحقق. وهكذا يصبح معيار النجاح أحيانًا هو: كم شاهد؟ كم تفاعل؟ كم شارك؟ بدل السؤال الأهم: كم كشف من الحقيقة؟ المجاملة... انحياز بلا إعلان ثمة نوع آخر من الانحياز لا يظهر في صورة دعاية مباشرة، وإنما يتسلل عبر المجاملة. نمدح حين ينبغي أن نسأل، ونصمت حين ينبغي أن ننبه، ونخفف من حدة الحقيقة خشية إغضاب هذا الطرف أو ذاك، ونستبدل النقد الموضوعي بعبارات دبلوماسية تحفظ العلاقات. لكن الصحافة ليست مجلسًا للمجاملة، والصحفي ليس موظف علاقات عامة. احترام الأشخاص لا يعني احترام أخطائهم، والنقد لا يعني الخصومة، والاختلاف لا يعني العداء. الصحافة المهنية لا تُهين أحدًا، لكنها لا تتنازل عن حقها في السؤال. ولا تبحث عن الإساءة، لكنها لا تخشى كشف الخلل. ولا تتعمد الاستفزاز، لكنها لا تحول الخوف من ردود الفعل إلى رقابة على الحقيقة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة هو أن تصبح أسيرة رضا الجميع؛ لأن الحقيقة بطبيعتها قد تزعج، والنقد بطبيعته يفتح الجروح التي يفضل البعض إبقاءها مغلقة. الموضوعية ليست مساواة بين الحقيقة والزيف ومن الضروري هنا التمييز بين الموضوعية والحياد الميكانيكي. الموضوعية لا تعني وضع الحقيقة والزيف في كفة واحدة، أو مساواة المعتدي بالضحية، أو السبب بالنتيجة، أو صاحب الدليل بمن يطلق ادعاءً بلا دليل. الموضوعية هي الاحتكام إلى الوقائع، والتحقق منها، ووضعها في سياقها، والاستماع إلى مختلف الأطراف، ثم استخلاص النتيجة التي تقود إليها الأدلة. أما أن نعرف الحقيقة ثم نخشى قولها، أو نمتلك الوقائع ثم ندفنها تحت طبقات من المجاملة، فذلك ليس حيادًا؛ بل تخليًا عن المسؤولية. سطحية التحليل... أزمة وعي لا يمكن قراءة الأحداث الكبرى بعقلية الخبر العابر. الحرب ليست مجرد مشهد عسكري، والسياسة ليست مجرد تصريحات، والاقتصاد ليس مجرد أرقام، والتحولات الاجتماعية لا تختصرها حادثة أو واقعة منفردة. لكل حدث جذور تاريخية، وسياق سياسي، ومصالح متعارضة، وقوى فاعلة، واحتمالات ونتائج. ومن هنا فإن الصحفي الذي يكتفي بوصف المشهد قد ينقل الواقع، لكنه لا يفسره. أما الصحافة التي تضع الحدث في سياقه، وتربط أسبابه بنتائجه، وتفصل بين الوقائع والتوقعات، فهي التي ترتقي من نقل الخبر إلى صناعة المعرفة. والقارئ المعاصر لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج؛ فهو محاط به من كل جانب. ما يحتاجه هو من يساعده على فرز هذا الضجيج، واكتشاف ما وراءه. حين يصبح الجمهور أسيرًا لما يحب أن يسمع ثمة خطأ آخر يتمثل في افتراض أن وظيفة الإعلام هي أن يقول للناس ما يريدون سماعه. لكن الإعلام المسؤول لا يرضي الجمهور دائمًا؛ بل يحترم عقله. قد يكون ما يحتاج إليه القارئ مختلفًا تمامًا عما يرغب في سماعه. وقد تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا من الرواية السهلة، وأكثر إزعاجًا من الموقف المريح. لذلك، فإن الصحافة التي تطارد التصفيق تخاطر بفقدان أهم رأسمال لها: الثقة. فالناس قد يصفقون للخبر الذي يؤكد قناعاتهم، لكنهم يعودون إلى الصحفي الذي يثقون بأنه لن يخدعهم حتى عندما يختلفون معه. استعادة المعنى الأخلاقي للمهنة إن استعادة الصحافة لدورها لا تحتاج إلى شعارات كثيرة، بل إلى قواعد بسيطة وعميقة: تحقق قبل أن تنشر. افهم قبل أن تفسر. ضع الحدث في سياقه. فرّق بين الخبر والرأي. لا تخف من السؤال الصعب. لا تجعل الانتشار معيارًا للحقيقة. ولا تجعل المجاملة ثمنًا للصمت. والصحفي المهني ليس من لا يخطئ، وإنما من يتحرى الدقة، ويعترف بخطئه، ويصححه، ويحافظ على استقلاليته، ويعرف أن مهمته ليست إرضاء السلطة أو الجمهور أو المعلن أو أي طرف آخر. فالصحافة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صناعة إعلامية. إن العالم اليوم لا يعاني من نقص المعلومات، بل من فائضها. والمشكلة لم تعد في الوصول إلى الخبر، وإنما في معرفة أي خبر يستحق التصديق، وأي رواية تستحق الفحص، وأي معلومة تحتاج إلى سياق. لهذا تصبح الصحافة المهنية أكثر ضرورة، لا أقل. إن المعركة الحقيقية ليست بين الصحافة التقليدية والرقمية، ولا بين القديم والجديد؛ بل بين صحافة تبحث عن الحقيقة، وإعلام يبحث عن التأثير ولو على حسابها. بين من يرى القارئ عقلًا يجب احترامه، ومن يراه مجرد رقم في عداد المشاهدات. بين من يسأل ويحقق ويفسر، ومن يكرر ويجامل ويثير. وبين من يؤمن بأن الحقيقة غاية، ومن يجعلها وسيلة لخدمة موقف أو مصلحة أو أجندة. فالصحافة ليست أن تسبح مع التيار، ولا أن تغوص في القشور، ولا أن تبحث عن رضا الجميع. الصحافة أن تمتلك شجاعة الاقتراب من جوهر الحقيقة، حتى عندما تكون صعبة، وأن تضعها أمام القارئ كما هي، لا كما يرغب البعض أن تكون. فحين تغيب الحقيقة خلف المجاملة، ويُستبدل التحليل بالانطباع، ويصبح الضجيج أهم من المعنى، لا تخسر الصحافة وحدها؛ بل يخسر المجتمع قدرته على الفهم، ويتحول الإعلام من عينٍ ترى الواقع إلى مرآة تعكس فقط ما نرغب في رؤيته.
×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط