مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

"شبابيك زينب" والوطن المفقود

"شبابيك زينب" والوطن المفقود

تاريخ النشر: 2018-09-19 | 22:31

تقدّم لنا رواية شبابيك زينب (دار الشروق، 2018) للروائي رشاد أبو شاور صورا ومقتطفات عن أحداث الانتفاضة الأولى في مدينة نابلس، كما قرأ عنها في وسائل الإعلام. يقول الكاتب في مقابلة له نُشرت في صحيفة الاتحاد بتاريخ 5 تموز 2007: "هذا العمل "شبابيك زينب" كان امتحانًا صعبًا بالنسبة لي، وهو أن أكتب رواية وأفصّل أحداثها وأنا في تونس بعيداعن المكان جغرافيًا، فتغلبت على ذلك بالمتابعة اليومية للانتفاضة عن طريق الاستعارة من الصحف اليومية ... فقرأت عن مدينة نابلس التي تدور حولها أحداث هذه الرواية". وما يمكنني قوله في هذا الصدد أن الكاتب في هذه الحالة كان بعيدًا ليس فقط جغرافيًا ومكانيًا عن مجريات الأحداث، بل أيضا عاطفيا؛ لأنه أصلا لم يختبرها شخصيًا ولم يتأثر بها، ولذلك يشعر القارئ أثناء قراءة الرواية بانفصال الكاتب الوجداني عمّا يكتب رغم اهتمامه بما يكتب، تماما كما يفعل المؤرّخون عندما يكتبون التاريخ، فهم يُخرجون أنفسهم من النّصّ الكتابي، وينصبّ جلّ اهتمامهم على نقل الحقائق. فلننظر على سبيل المثال إلى هذه الفقرة التي يصف فيها المؤلف سلوك الأستاذ محمود لدى وصوله إلى متجر الحاج فخري: "توقّف، أخذ نفسا عميقا، اندفع في شارع فيصل. صار قبالة متجر الحاج فخري، تأمل من موقعه على الرّصيف المقابل لافتة المتجر ... تطّلع إلى ساعته ... اندفع يقطع الشارع إلى محلّ الحاج فخري" (ص 17). نلاحظ هنا الوصف الواقعي المحض الذي يكاد يخلو من الحياة والحيوية بسبب رتابته. لدينا في هذه الفقرة جُملا فعلية قصيرة متراصة جميعها تبدأ بفعل يدل على سلوك معيّن يقوم به فخري، وكأنّه آلة يحركها الظرف البيئي الذي يجد نفسه فيه. وربما هذا السلوك ناتج عن شعوره بالنّقص كونه من مخيم بلاطة، وكون الحاج فخري من مدينة نابلس وهو ميسور الحال، لكن من الواضح أنّ الكاتب يتعامل مع الشّخصيّات وكأنّها أدوات تحركها البيئة المحيطة بهم، وتتحكم بتصرفاتهم ظروفهم المعيشية، فهم يعيشون أسرى احتلال عسكري بغيض، وأيضا اسرى تضاريس طبيعية على الرغم من جمالها إلا أنها تحاصرهم في واد بين جبل عيبال وجبل جرزيم، وكأنهم في سجن كبير من صنع الطبيعة، ولا مفر لهم سوى الانصياع لبيئتهم والتأقلم مع ظروفهم.

يستخدم الكاتب في روايته أساليب مختلفة هي أسلوب الكتابة التّاريخية التي تركز على الحقائق، والأسلوب الصّحفي الإخباري، والأسلوب السردي الرّوائي. أمّا أسلوب الكتابة التاريخية فنجده في الفصل الأوّل بعنوان "مدينة البرج الجوزاء" الذي يتحدث فيه الكاتب عن نشوء مدينة نابلس وتضاريسها الجغرافية وغزو الصليبيين لها، والطائفة السامريّة التي تعيش على قمّة جبل جرزيم. ومن الواضح أنّ الكاتب لجأ إلى مراجع أو مصادر ثانويّة؛ كي يتمكن من تقديم هذه اللمحة التاريخية الموجزة من تاريخ مدينة نابلس، التي يسميها "مدينة النّار والياسمين وموسيقى العود" (ص 13). ويبدو أنّ الكاتب يهدف من وراء ذكره للطائفة السامريّة التي تعتبر دولة اسرائيل "باطلة لأنّها دولة أغراب" (ص 8)، والتي رفضت حمل جوزات سفر إسرائيلية بعد الاحتلال عام 1967، إلى الإعلان عن موقفه المعارض لممارسات إسرائيل، كما يهيئنا الكاتب لما سيأتي لاحقًا في الرّواية عندما يتحدث عن الصّراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

نرى الأسلوب الصّحفي الإخباري في فصلين اثنين بعنوان "إيقاع" و"المساجد"، حيث يُسجّل الكاتب ما يحدث أثناء الانتفاضة في شهر آب من العام 1988 مع ذكر التّاريخ واليوم. ولا شكّ أنّ المعلومات الواردة في هذين الفصلين مأخوذة أو مستوحاة من مصادر اعلامية كانت تنشر الأخبار اليومية للانتفاضة، ومنها كما أعتقد المنشورات التي كانت تصدرها القيادة الفلسطينية وتنشر فيها البرنامج اليومي للمقاومة الشعبية. نقرأ مثلا: "أغلقت سلطات العدوّ يوم 10/8/1988 مداخل البلدة القديمة بالإسمنت والبراميل"، وأيضًا "غدا، 19 آب، إضراب بأمر القيادة الموّحدة ، سنكسر محاولة العدوّ التحكم  بحياتنا وإيقاع انتفاضتنا" (ص 51). ومثل هذا الأسلوب أقرب إلى أسلوب النّسخ واللصق. وفي هذين الفصلين نشهد شدّة المواجهات اليومية ودمويتها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمقاومة الشجاعة التي يبديها الشباب الفلسطيني في وجه البطش العسكري الاسرائيلي.

أمّا الأسلوب الثالث فهو الأسلوب السّردي الرّوائي وهو الأكثر استخدامًا في الرّواية، ومن خلاله نقرأ عن حياة الفلسطينيين في مدينة نابلس أثناء الانتفاضة الأولى، ونتعرّف على شخصيات تمثل ليس فقط المجتمع النابلسي بل المجتمع الفلسطيني برمته. فما كان يعانيه الفلسطينييون في نابلس أثناء الانتفاضة الأولى كان أيضًا يعانيه جميع الفلسطينيين في المدن الأخرى. فما نابلس سوى عالم أصغر لعالم أكبر تتجلى فيه معالم المقاومة والتّحدي، والبحث عن الحرية والكرامة. لذا نرى الكاتب يتحدّث عن نابلس التي تمثّل الضّفة الغربيّة وجوهرتها القدس، وعن الأرض المحتلة عام 1948. وكما يقول  الأستاذ شكري عزيز ماضي في كتابه الرّواية والانتفاضة: نحو أفق أدبي ونقدي جديد: "تتحول الدّلالة في هذه الحكاية من دلالة فرديّة جزئيّة وخاصّة إلى دلالة كلية شمولية رامزة". ويؤكد غسان شقيق ناصر ليوسف ويقول: "ناصر ليس أخي فحسب، إنه ابن نابلس، وأبعد من ذلك ابن فلسطين كلها" (ص 90). فالقضيّة هنا قضيّة شعب واحد، شعب متحّد في مسيرته النّضالية.

تتكوّن الرّواية من قسمين، يتحدّث القسم الأوّل عن فعاليّات الانتفاضة، ويقدّم لنا المؤلّف عددا من الشّخصيّات المختلفة، والتي تمثل جميع شرائح المجتمع الفلسطيني، فيما يتحدّث القسم الثاني عن ناصر الحوّاش، وعن محاولة الحصول على قلبه من جانب الطرف الإسرائيليّ؛ لنقله إلى مواطن اسرائيلي اسمه يهيل يسرائيل، وهو "رجل في السّادسة والآربعين، رجل أعمال، من أسرة ثرية، أب لثلاثة أبناء"  (ص 81). ولقلب ناصر دلالة هامّة، فهو أوّلا يرمز للوطن، وثانيًا يرمز للجماعة. فمن ناحية، فكما على الفلسطينيين أن لا يفرطوا بوطنهم فهم لا يقبلون أن يتبرّعوا بقلب ناصر لإنقاذ حياة إسرائيلي على شفا الموت. من ناحية ثانية، قلب ناصر هو الأداة التي تؤدّي إلى الوحدة الوطنية، فنرى في نهاية الرّواية  ممثلي الأحزاب السياسية كافّة يلتقون ليقرّروا في مصير قلب ناصر، لذلك يتساءل مصطفى مازحًا: "ما هذا؟ أنحن مدعوّون لانجاز الوحدة الوطنية"؟ ص 100.  

لا شكّ أنّ استخدام هذه الأساليب من الكتابة أعطت أهمية خاصّة للرّواية؛ لأنّها تجاوزت أسلوب الكتابة التقليدية، وتحدّت الأعراف السّائدة في عملية السّرد الرّوائي. وكما يقول الآستاذ أبو شاور عن روايته: "كلّ كلمة مكتوبة في مكانها وكان بامكاني أن أكتبها بأكثر من 400 صفحة، ولكنّي كتبت النّصف بتقنية ليست سهلة، وكنت أسأل نفسي في الرّواية كيف سأوصل للقارئ الشعور السريع بالحدث، والحركة السريعة داخل المدينة في أجواء الانتفاضة"؟  وهذا ما دعا الأديب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا لأن يصف الرواية بأنها مثال جيّد للحداثة في الأدب· فهي مثل لوحة الكولاج التي يستخدم فيها الفنان موادّ خام متعدّدة ومختلفة لتكوين لوحة فنية تعكس إبداعه وخياله الخصيب.

تتحدث رواية شبابيك زينب عن زمن جميل مضى، هو زمن المقاومة الشعبية الشريفة، وزمن الانتفاضة الأولى التي قدّمت تضحيات جمّة في سبيل تحرير الوطن. وعلى الرّغم من عدم تحقيقها لأهدافها الوطنية إلا أنها تبقى رمزا للحرية يتغنّى بها الشعراء والأدباء والفنانون على مختلف ألوانهم وأطيافهم، كما تغنّى بها الكاتب رشاد أبو شاور. لكنّها تبقى مجرد ذكرى ومجرد فصل من فصول تاريخ النضال الفلسطيني، الذي انتهى بتوقيع اتّفاق لم يجلب إلا العار والخنوع لشعب كان يومًا رمزا للتّضحية والعطاء. فالميلاد الذي تتحدّث عنه الرواية في نهايتها يجلب أملا زائفا؛ لأن التاريخ أعلن وفاة القضيّة ووفاة الوحدة الوطنية ووفاة المقاومة ووفاة الوطن. رحل ناصر ورحل معه الوطن، ويبقى هذا الوطن مفقودًا وما يزال البحث عنه قائما وقد يبقى قائما لعقود وعقود.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط