مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سيدات الحياة .. للدكتور إيهاب بسيسو*

سيدات الحياة ..  للدكتور إيهاب بسيسو*

تاريخ النشر: 2016-11-02 | 21:28

تجاوزت مسرحية "ألاقي زيك فين يا علي" البعد الشخصي في السيرة الذاتية، لتصبح مزيجا خاصا من الرواية الفلسطينية، هذا المزيج الذي تحرر من قوالب الشعار وسطوة الرتابة ليغوص في عمق التجربة الانسانية بكل ما في ذلك من براعة في الأداء واتقان في النص وبلاغة في الرؤية والاخراج.

رائدة طه تقدم صورة العائلة، عائلة الشهيد علي طه، الذي رحل في مطلع السبيعنات، من خلال منودراما مميزة تستحضر فيها صوت الأم والابنة والأخت/ العمة، كما تلتقط صدى أصوات عدة تجتمع على خشبة المسرح في حياة تجمع بين المتخيل والواقع، حياة تعيد رائدة طه انتاجها بصبر الذاكرة على الغياب، وارادة النص في التحرر من المباشرة، ليتشكل العمل المسرحي مرآة لعائلات في عائلة، عائلات تجتمع في بلاغة سرد تطل من مساراته المتوازية فلسطين بمفرداتها المتعددة.

* * *

يتميز العمل بتعدد الاشارات الرمزية التي تنطلق من رائدة طه وتندمج في سياق الحكاية بانسياب وتلقائية مما يثري المشهد البصري رغم التقشف الواضح والمقصود في الديكور الذي لا يتجاوز أريكة وطاولة وابريق ماء شفاف وكأس ماء نصف ممتلئة وشاشة عرض، فالحكاية تستند الى تحولات الزمن الذي لا يكترث بالتفاصيل المتحولة بقدر ما يعتمد على الحكاية نفسها وينطلق منها الى فضاء الرمزية والذاكرة والغياب والحياة الموازية.

تتحرك رائدة طه على خشبة المسرح بثوب أزرق غامق وقلادة سوداء تتوسطها صورة الشهيد علي طه لتنتقل بزمن الفدائي الفلسطيني، من العام إلى الخاص، ومن الشعار إلى الذات ومن الملصق العلني إلى الصوت الخفي، بمعنى آخر من الصورة الى الصورة، من صورة الشهيد البطل الى صورة الأب والزوج والشقيق.

في هذا المساحة الخصبة تتألق رائدة طه معلنة بيانها المسرحي، بيان الحكاية التي تخرج من ثنايا الحكاية، بكل تفاصيلها اليومية، الطفلة التي تفاجئها الحياة بغياب الأب، الزوجة التي تصر على حضور الزوج في الذاكرة والأحلام، الشقيقة التي لا تستسلم للغياب فتصر على تحرير الجسد الغائب من ثلاجة الموتى- ولو بعد عام ونصف - كي يعود إلى حضن أمه الأرض.

لقد شكل اختيار اللون الأزرق مفتاحا في لعبة السرد فاللون الأزرق من الألوان التي تهتم بالبوح والكلام، فطبيعة تكوينه الهادئة تحفز رغبة الإنسان على البوح والتعبير عن ذاته، وحيث أن المسرحية تعبير ذاتي عن التجربة جاء لون الثوب الأزرق الغامق والقلادة السوداء وصورة علي طه لتجسد إحدى المعاني الرمزية للعمل، فلم يكون ثوب حداد أسود أو تراثي فلسطيني، لأن الغاية أعمق من حالة نفسية محددة في إطار اللون وأعمق من رمزية مباشرة في إطار الهوية الثقافية، فهي تعدد الأنا (أنا رائدة طه وأناهم وأنانا جميعا) لذا كان الأزرق، بل الأزرق الغامق، اللون الذي يبحث عن الحقيقة، في اشارة ضمنية الى رحلة رائدة طه في البحث عن الحقيقة، أو بمعنى ادق البحث عن الرواية في رواية الأم فتحية والعمة سهيلة شقيقة الشهيد علي طه.

فالطفلة التي اكتشفت المعنى الأعمق للغياب بعد سنوات من الغياب، وانكشفت على حزن مفاجئ في المنفى استعادت سنوات الطفولة لتبدأ من جديد، كأنها في هذا ترمم تصدعا خفيا في الحياة، تصدعا لم تنتبه له في ازدحام السنوات بالمواقف والأحداث والشخصيات والصور حيث ظل الأب محددا في صورة الشهيد البطل بكل دلالاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية ولكن رائدة طه نظرت طويلا الى الصورة كي تستعيد من خلالها الأب، الأب الغائب، وكي تنكشف على حزنها الخفي بجرأة وشجاعة وبلاغة حين تعلن احتياجها الفطري للأب، مرددة بأن يوم الغياب كان يوم الكارثة.

تستمر الرمزية في نحت ملامح السرد حين تطل من مشهد يبدأ مع تخلص رائدة طه من حذائها الأسود، في اشارة الى تحررها من احتمالات السرد الرسمي، واقترابها من العفوية والبوح الذاتي، مستعيدة من خلال جلوسها على الأريكة تساؤل طفلة ذات نهار بعيد عن سر نزع النساء للون الأظافر الأحمر عن أصابع أمها في اليوم الأول للغياب، رغم بكاء الأم ورفضها لأن زوجها كان يحب ذلك اللون.

المشهد مزيج من بوح سردي وتسجيل تمثيلي بالأبيض والأسود حيث تطل رائدة طه إلى جانب سردها الشخصي على مشهد الذاكرة من خلال شاشة عرض تلتقط حركة أيد بقطع قطنية بيضاء تمسح لون الطلاء عن أصابع يد، في حين تستمر رائدة طه في سرد مفردات الحزن المفاجئة والتي بدأت تتحول تدريجيا الى ايقاع حياة، حياة ابنة الشهيد.

في هذا الاقتراب الرمزي من بدايات الغياب، يبدأ عالم العائلة في الانكشاف على التحدي الجديد في مواجهة الرحيل، تقود من خلاله رائدة طه دفة الحكاية الى مراحل جديدة تكبر فيها الطفلة، فتسعيد رائدة طه الحذاء الأسود، وتكمل السرد المسرحي ومع كل مرحلة نصل اليها تكشف حكاية جديدة في ثنايا الحكاية.

المشاهد تومض وتختفي ثم تومض مرة أخرى وتختفي ثم تستمر مع استمرار الحكاية في اشارة الى حركة العين التي تشاهد بدورها ما تبوح به الذاكرة الشخصية، تلك الرمزية البصرية قدمت الذاكرة كنبض مشترك مع المشاهد، لا مجرد بوح مسرحي يستعين بتقنيات تكنولوجية، رغم أن الاستفادة من مقاطع تمثيلية تسجيلية ذات طبيعة سينمائية " دكيودراما" ومقاطع بصرية ذات تكوين فني منحت العمل روحا اضافية منقذة اياه من احتمالات الرتابة.

* * *

"ألاقي زيك فين يا علي" مونودراما ملحمية، يطل من خلالها القائد السياسي ومدير المدرسة والجارات، والأصدقاء والانتهازيون والمتسلقون والأوفياء وأبناء الشهداء. كما تطل منها رسائل الزوج للزوجة والوصايا والأحلام المعلقة، والصور القديمة لتتشكل الحكاية مرة أخرى دون تكلف أو استعراض مفتعل، بل بانسيابية لا تخلو من عمق وإشارات ذكية لتفاعل الشخصيات في شخص رائدة طه، وتفاعل رائدة طه مع الذاكرة، وتفاعل الذاكرة مع الجمهور الذي التقط بدوره الحكاية/ المرآة بمزيج إضافي من الحزن والفرح والبكاء والحنين.

اعتمدت رائدة طه على قدرتها في البوح، وعلى مصادر الذاكرة، ففتحية الأم وسهيلة العمة شكلتا عصب الحكاية، إضافة الى ذاكرة رائدة طه الشخصية وانعكاس التجربة على حياتها الشخصية فيما بعد.

يمكن القول إن هناك الكثير من التشابه بين إصرار فتحية على استعادة الزوج من الغياب إلى الأحلام مستمدة من أحلامها دفئا خاصا رغم سنوات الغياب، وبين إصرار سهيلة على استعادة جثمان شقيقها الشهيد على طه من ثلاجة الموتى مستمدة دفئا خاصا بعودة الجسد الى أمه الأرض وبين إصرار رائدة طه على استعادة صورة الأب من صورة الشهيد الغائب مستمدة من بوحها دفئا خاصا في مواجهة المنفى والغياب وكما نجحت فتحية في الحفاظ على الذاكرة، نجحت سهيلة في استعادة على طه الجسد ونجحت رائدة طه في استعادة على طه الأب. لتكتمل فصول الأوديسة الملحمية بعودة الجسد واكتمال المعنى المعلق لسنوات طويلة في الغياب والحزن والمنفى.

* * *

إنه الابداع الذي حققته رائدة طه مع لينا أبيض في عمل مسرحي تكاملت فيه الرؤية الاخراجية مع الأداء والنص. عمل لم يكد ينتهي على خشبة المسرح حتى تجدد في رأس كل مشاهد ومشاهدة كحكايات جديدة تعيد بناء شخصيات الغائبين من الانكشاف الذاتي على البوح والذاكرة، عمل يلخص بذكاء وحرفية مسيرة شعب يريد الحرية مع الحياة، عمل ينحاز لبطولة الإرادة في جعل الذاكرة الشخصية عنوانا للذاكرة الجمعية وفي تحرير الذاكرة الجمعية من الشعار بالانفتاح على انسانيتها الخصبة حين تغني فتحية وسهيلة ورائدة ونحن " ألاقي زيك فين يا علي" رغم كل الألم ورغم الغياب.

* وزير الثقافة الفلسطينية

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط