مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سوسيولوجيا الخبر في زمن الانكسار والمصير

في الأوقات الحرجة والمفصلية من تاريخ الشعوب، وتحديداً في المناخات القاسية التي تلت السابع من أكتوبر وما رافقها من دمار ونزوح وفقدان، يترقب المتابعون الأخبار على أمل الاستماع لـ "خبر طيب" يجدد الأمل. وخاصة المشردين والنازحين الذين ينتظرون قرارات تنهي الحرب والعدوان. في هذه اللحظات، لا يعود الخبر مجرد معلومة عابرة تُطلب للمعرفة، بل يتحول إلى مادة حيوية يقتات عليها الأمل الفردي والجمعي.
في هذا النفق المظلم، يتطلع المتابع لشاشات وهواتف الذكاء الرقمي إلى بارقة أمل تبث فيه طاقة الصمود وإرادة البقاء بمعنويات عالية. لكن في المقابل، تشهد منصات صناعة المحتوى التضليلي وسارقو السبق الصحفي طفرة من التضليل الممنهج والخداع الإعلامي، متجاوزين حدود الإثارة العابرة ليتحول الأمر إلى تجارة رابحة وأداة سياسية شرسة تُدار عبر جبهتين: جبهة تبيع "الوهم والترند"، وجبهة أخرى تمارس "اليأس الممنهج وتصيّد الأخطاء".
والهدف في الحالتين هو السيطرة على الوعي الجمعي، وتمرير مخططات مشبوهة على حساب مصالح المكلومين. وهو ما يستدعي موقفاً حازماً لمقاطعة تلك الصفحات الصفراء التي تخدم مصالح العدو، وتساهم في قتل الإرادة وتحطيم صمود المجتمع. وفي هذا المقال، سنقارب زوايا هذا التأثر بهذه "الغوبلزية الإعلامية" (نسبة إلى البروباغندا النازية) لتفكيك آثارها وفق المحاور التالية:
أولاً: سوسيولوجيا الخبر.. من "الإعلام" إلى "الهندسة الاجتماعية"
تُعلمنا سوسيولوجيا الخبر أن المادة الإعلامية لا تولد في فراغ، بل تُصنع وتُشكل ضمن سياق يهدف غالباً إلى إعادة إنتاج الواقع لا نقله بحيادية. في زمن الأزمات المصيرية، يتغير سلوك المتلقي؛ حيث تسيطر عليه حالة من "الهشاشة النفسية والمعرفية" الناتجة عن معايشة الفقد المتكرر والتهجير المستمر.
هذه الهشاشة تجعل الجمهور مستعداً لتقبل أي رواية تمنحه الخلاص، مما يعطل لديه حاسة النقد والتحليل العقلاني. هنا، يتخلى "الخبر السريع" عن شروطه المهنية من تدقيق وتوثيق، ليحل محله "الخبر العاطفي الرنان" الذي يداعب عواطف الناس الصادقة، مما يؤدي إلى تزييف الوعي الجمعي وتوجيهه نحو سراب، سرعان ما ينكشف ليصيب المتلقي بخيبات أمل ونكسات نفسية واجتماعية حادة.
ثانياً: اقتصاد الانتباه وابتذال المصير (تجار الترند)
تحت وطأة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، تحول المشهد من "الصحافة الرسالية" إلى "اقتصاد الانتباه"، حيث أصبح الانتباه هو العملة الجديدة. وسجلت الفضاءات الرقمية صعود العديد من صُنّاع المحتوى (السوشلجية واليوتيوبرز) والمتكهنين السياسيين الذين امتهنوا اللعب على العواطف لتحقيق مآرب مادية ونسب مشاهدة عالية.
إن هؤلاء يمارسون نوعاً من "الابتذال الأخلاقي" لقضايا وجودية؛ إذ يحولون مأساة شعب فقد بيوته وأحبته ويعيش في العراء إلى مجرد "محتوى استهلاكي" يُباع فيه الوهم كبضاعة تجلب الامتيازات والأموال من الإعلانات. في المقابل، يظل هناك شرفاء يتمتعون بمصداقية عالية في نقل الخبر والمحتوى.
ثالثاً: فقاعات "جس النبض" وتمرير المخططات
الأمر لا يتوقف عند حدود الجشع المادي للأفراد، بل يمتد إلى خداع إعلامي منظم يعتمد على تدوينات المشاهير أو تحليلات سياسيي الغرف المغلقة. وفي كثير من الأحيان، لا تكون هذه الأخبار مجرد "سقطات مهنية"، بل هي "فقاعات إعلامية مدروسة وموجهة".
تعمد بعض القوى السياسية وصنّاع القرار إلى تمرير سيناريوهات معينة عبر منصات محددة لمراقبة تفاعل الشارع، وتقييم مدى تقبله لخطوات سياسية قادمة قد يوصف الإعلام لاحقاً بأنها "تنازلات ضرورية". وبذلك، يتحول المواطن المتألم إلى مختبر لقياس الضغط النفسي، يُقذف بين تفاؤل مفرط ومفاجئ، ثم إحباط منسق ونكسة غير متوقعة، دون أدنى مراعاة للكلفة الأخلاقية والنفسية التي يدفعها من دمه وأعصابه.
رابعاً: الإعلام الهجومي وهندسة الاستسلام (سلاح تصيّد الأخطاء)
إذا كان "تجار التفاؤل" يمارسون تخدير الوعي بفقاعات الأمل الزائف، فإن هناك جبهة إعلامية أخرى لا تقل خطورة تمارس "سادية التضليل" عبر الإعلام الهجومي. يتخذ هذا الإعلام من الكوارث بيئة قنص؛ حيث يتصيد التجاوزات —التي تحدث طبيعياً نتيجة فوضى الحروب والنزوح وسوء الإدارة الإغاثية— لا بغرض النقد البناء والإصلاح، بل لتوظيفها كـ "سلاح سياسي واستراتيجي" يسعى إلى:
تضخيم الهنات واختزال الواقع: عبر أخذ حادثة فردية وتعميمها إعلامياً لإظهار المشهد بأكمله وكأنه مرتع للفساد، وبالتالي تحميل الضحية مسؤولية ما جرى لها من دمار.
تفكيك الجبهة الداخلية: من خلال نشر الشك وتشويه الآخر، مما يدمر "الرأسمال الاجتماعي" (الثقة والتكافل)، ويحول المجتمع من كتلة صامدة إلى أفراد متناحرين يبحثون عن الخلاص الفردي.
تهيئة المناخ للاستسلام: عندما يصل المجتمع إلى نقطة الإنهاك النفسي التام بفعل هذا الهجوم، يصبح ناضجاً ومستعداً للقبول بأي مخططات تصفوية تُفرض عليه كأمر واقع تحت شعار "الإنقاذ".
خامساً: الآثار التدميرية على القارئ والمجتمع
إن الوقوع بين فكي كذب الإعلاميين المتفائلين وصيد الإعلاميين المتشائمين يترك ندوباً عميقة في بنية المجتمع، تتبلور في ثلاثة مظاهر رئيسية:
الإنهاك الروحي المتكرر: التنقل الدائم بين قمم الأمل الزائف وقيعان الخيبة الصادمة يسبب حالة من "الإنهاك النفسي"، مما يضعف القدرة على الصمود الفعلي.
سيادة العدمية وفقدان الثقة: يؤدي كذب التوقعات المتتالية إلى كفر الجماهير بجدوى الخبر ومصداقيته، مما يعزل المجتمع عن واقعه ويدفعه نحو اللامبالاة.
تشتيت الجهد الجمعي: بدلاً من الالتفاف حول آليات الصمود الحقيقية والتكافل الميداني، تُستنزف الطاقات المجتمعية في الجدل حول تدوينة مبهمة لهذا المشهور أو تسريب مشبوه لتلك الصفحة الهجومية.
أخيرا: نحو مناعة إعلامية وراديكالية في الوعي
إن الخروج من "النفق المظلم" يتطلب —إلى جانب الصمود الميداني— صموداً معرفياً وإعلامياً. مواجهة تجارة الوهم من جهة، ومشرط اليأس الممنهج من جهة أخرى، لا تكون بانتظار استيقاظ ضمائر "السوشلجية" أو أخلاقيات الإعلام المأجور، بل ببناء "مناعة إعلامية" لدى القارئ والمتابع.
يجب أن يتعلم المجتمع كيف يمارس "الشك المنهجي" تجاه كل خبر مجهول المصدر، أو مفرط في التفاؤل والتشاؤم على حد سواء. إن الأمل الحقيقي لا يُولد من نبوءة متبصر، ولا من تسريب استخباري لجس النبض، كما أن الإصلاح لا يأتي من منبر يشمت بالجراح؛ فالأمل والصمود يُصنعان بالوعي الحقيقي بالواقع وقوانينه، وبالقدرة العالية على التمييز بين من يقف مع الناس في خندقهم، ومن يتخذ من جراحهم وآلامهم منصة لاعتلاء الترند وتحقيق المكاسب السياسية والمادية.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط