مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سوريا.. رمزٌ يتخطّى الحدود

في خضمّ مأساتهم الدامية، يُمكن للسوريين أن يفتخروا - يا لسخرية القدر - أنّ أزمتهم تطيح وزير دفاع الولايات المتحدة وتخلق شروخاً عميقة وصراعات خفيّة بين دول كبرى متحالفة منذ زمنٍ طويل. إلاّ أنّ هذه الأقدار ليست جديدة، فهي ترتبط بطبيعة بلادهم وهويّة سكّانها مثلما ترتبط بتطوّرات الأمم التي تحيط بها.
سوريا هويّة تتضمّن هويّات متعددّة. ورثت بيزنطة وفارس ومدارس فكرهما، واحتوتهما وحافظت عليهما في إطار حضارة عربيّة إسلاميّة منفتحة كانت في مرحلة ما من التاريخ.. هي الدنيا. سوريا لا يشبه إسلامها إسلام الآخرين، فهو يحفظ السيرة المحمّدية في ذاكرة جمعيّة أكبر وأسمى إنسانيّاً من مجرّد اختزالها في صورة مغلقة يتقمّصها اليوم المتطرّفون. وسوريا تخطّت عروبتها أعراب البداوة منذ القدم، إذ حوّلت شِعرُهم والتعبير باللغة إلى هويّة أهمّ من القبليّة، وأخذتهما نحو فضاء العالميّة الرحب.
سوريا «شام شريف» لدى كلّ جيرانها. سنيّة وشيعيّة وعلويّة ودرزيّة واسماعيليّة وأيزيديّة ومسيحيّة بيزنطيّة وسريانيّة وأرمنيّة، وأرثوذكسيّة وكاثوليكيّة، وعربيّة وكرديّة وتركمانيّة وشركسيّة والكثير غير ذلك. إنّها «البلد الذي تبقّى» من عالمٍ يحمي الهويّات المتعدّدة ضمن هويّة جامعة، ولا يُمكن أن تستوي إلاّ كذلك.
وسوريا هويّات مناطقيّة حول مدنٍ لكلّ منها تاريخها وهويّتها، فحلب ليست دمشق، وحمص ليست حماه، ودرعا ليست السويداء، والقامشلي ليست دير الزور، وإدلب ليست معرّة النعمان..
هذا ليس جديداً. وليس جديداً أن تحاول دول إقليميّة أو دول كبرى اللعب عل هذه الهويّات المتعدّدة واستغلالها، من منطق استعماريٍّ فقط، بل لصعوبة تصوّرها لمثل هذا التنوّع نتيجة لتاريخها الخاصّ. أوروبا الحديثة لم تستطع تحمّل يوغوسلافيا موحّدة ضمن جماعتها، وتركيا ما زالت تتخبّط بين إرث مؤسّسها الحديث وعثمانيّتها، والخليج العربيّ ما زال يبحث عن هويّة تتخطّى القبليّة وتقبل التنوّع المذهبيّ، ولبنان ما زال يجهد كي يبتعد عن منطق «ملوك الطوائف».
ما أبقى سوريا موحدّة هو أنّ رجالاً ونساء، وعلى أساس الذاكرة الجمعيّة لـ»شام شريف»، وحفاظاً عليها، عرباً وكرداً، إسلاماً ومسيحيين، وأبناء مدنٍ وأرياف وبداوة، بعيداً عن منطق الأغلبيّة والأقليّة.. اجتمعوا على كلمة صيانة «البلد الذي تبقّى» لأنّه بالضبط إرثهم.
لم تكن «كتلتهم الوطنيّة» حزباً سياسيّاً، ولا ائتلافاً ثوريّاً يبحث عن اعترافٍ خارجيّ، بل كانت استمراراً لحلم إنشاء دولة. دولة وعدتهم بها القوى المجتمعة على «الرجل المريض»، الإمبراطوريّة العثمانيّة المتهالكة، وخانت الوعد ضمن شروخاتها ومعاركها الاستعماريّة. لقد انتفضوا من جحيم آلام حرب «سفر برّ» والمجاعة والتهجير، كما هو الحال اليوم، ليقولوا إنّهم ورثة شيء يجب الحفاظ عليه بأيّ ثمن.
واجه رجالٌ ونساء شبه عزّل الدبّابات والطائرات في ميسلون، حتّى لا يُقال إنّ البلاد أخذت من دون مقاومة. وانتفضوا لثورة جبل عامل غير آبهين بالفرقة بين مسلمين ومسيحيين، وبين سنّة وشيعة. وانتفضت العشائر العربيّة والكرديّة نصرة للمدن المحتلّة، وانتفضت المدن وأريافها نصرة لجبل الزاوية ولجبل الدروز. وانتفض العلويّون كغيرهم من السوريين للمشروع المشترك برغم كلّ مشاعر الظلم. انتصرت حلب لدمشق ودمشق لحلب.
رجالٌ ونساء ربّما لم يمثّل كلّ منهم أغلبيّة في أوساطهم وضمن هويّاتهم. لكنّهم انتصروا لمشروعٍ مشترك يتخطّى الهويّات الخاصّة. تآمروا هم على المؤامرة، قبل أن تقضي المؤامرة على بلدهم، وعليهم ضمن مشروعٍ ضيّق.
وما أحوجنا في هذه الأيّام الحالكة السواد بأن يلتقي رجالٌ ونساء ويجمعون أصواتهم أبعد من هويّاتهم القاتلة، ويفرّقوا بين الوعود بالحريّة وبين أطماع الدول، وينتفضوا ضدّ الاستبداد ومشاريع التقسيم سويّة. وما أحوجنا لامتلاك جسارة تخطّي الواقع، كي يبقى هذا البلد ويستمرّ رمزاً للهويّة الواحدة الجامعة والمتعدّدة في آن، ومهما كان الثمن باهظاً.

عن السفير

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط