مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

" سمّ الانقسام "

" سمّ الانقسام "

تاريخ النشر: 2026-03-16 | 12:25

في تاريخ حركات التحرر الوطني، كان العدو الخارجي دائمًا واضحًا ومكشوفًا. لكن الخطر الحقيقي الذي أسقط كثيرًا من القضايا العادلة لم يكن دائمًا في قوة العدو، بل في ضعف الجبهة الداخلية. حين تتآكل وحدة الصف، ويتحول الخلاف السياسي إلى تعصب أعمى، تصبح القضية نفسها رهينة صراعات داخلية لا تقل خطورة عن الاحتلال ذاته. وهذا، للأسف، ما بدأ يهدد القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة.

 

فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية حزب أو فصيل أو تنظيم. إنها قضية شعب كامل اقتُلع من أرضه، وناضل لعقود طويلة دفاعًا عن حقه في الحرية والكرامة والاستقلال. غير أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية تحرر هو أن تتحول من مشروع وطني جامع إلى ساحة تنافس حزبي ضيق، تُقاس فيها المواقف بميزان الولاء التنظيمي لا بميزان المصلحة الوطنية.

 

اليوم نشهد ظاهرة مقلقة تتسع يومًا بعد يوم: التعصب الحزبي المقيت الذي لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل أصبح عقلية إقصائية تحاول احتكار الحقيقة والوطن في آن واحد. فهناك من يتعامل مع فلسطين وكأنها ملكية خاصة لفصيله، وكأن الدفاع عنها لا يكون إلا عبر بوابة تنظيمه، وكأن بقية أبناء الشعب مجرد خصوم أو متفرجين.

 

بهذه العقلية، تتحول القضية الكبرى إلى ساحة صراعات صغيرة. فإذا قالها حزبه فهي الحقيقة المطلقة، وإذا قالها غيره فهي خيانة. وإذا أخطأ حزبه فذلك اجتهاد، وإذا أخطأ غيره فذلك تآمر. وهكذا يصبح الانتماء الحزبي معيار الوطنية، لا العمل من أجل فلسطين.

 

لكن الأخطر من التعصب ذاته هو تلك الفئة التي باتت تغذي الانقسام وتعمل على تعميقه، وكأن استمرار هذا الشرخ يخدم مصالحها السياسية أو الإعلامية. هذه الفئة لا ترى في الانقسام كارثة وطنية، بل فرصة لتعزيز نفوذها أو لإثبات حضورها في معارك كلامية لا تخدم إلا خصوم القضية.

 

لقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات اشتباك فلسطينية داخلية، تُهدر فيها الطاقات في تبادل الاتهامات والتخوين والتشكيك. كلمات حادة، خطاب متوتر، ومحاولات مستمرة لشيطنة الآخر الفلسطيني بدل مواجهة الاحتلال الذي ما زال يواصل مشروعه الاستيطاني دون توقف.

 

وفي هذا المناخ المسموم، أصبح من المفارقات المؤلمة أن يُتهم من يدعو إلى وحدة الصف والكلمة بأنه “متسلق” أو “ساذج” أو حتى “صليب أحمر”. وكأن المطالبة بوحدة الشعب الفلسطيني جريمة تستحق السخرية أو التشويه، بينما يصبح خطاب الانقسام والتحريض نوعًا من “الوعي السياسي”.

 

إن هذه العقلية ليست فقط خطأ سياسيًا، بل خطر وطني حقيقي. فالتاريخ يعلمنا أن الاحتلال لا يخشى الشعوب الموحدة بقدر ما يستفيد من الشعوب المنقسمة. وكلما تعمق الشرخ الفلسطيني الداخلي، ازداد الاحتلال اطمئنانًا إلى أن خصومه منشغلون ببعضهم البعض أكثر من انشغالهم بمواجهته.

 

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمن الانقسام باهظًا على مدار سنوات طويلة. تعطلت مؤسسات، تراجعت الثقة الشعبية، ضاعت فرص سياسية، وتبددت طاقات كان يفترض أن تتوحد في معركة واحدة: معركة الحرية. ومع ذلك، ما زال هناك من يتعامل مع الانقسام وكأنه قدر محتوم، بل وكأنه ضرورة لحماية النفوذ الحزبي.

 

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي مشروع سياسي يقوم على تعميق الانقسام هو مشروع يضعف القضية نفسها. فالوطن حين يُستنزف لن يربح فيه أحد، وحين تُهزم القضية لن يكون هناك منتصرون بين الفصائل.

 

إن التعصب الحزبي حين يتغول يتحول إلى نوع من العمى السياسي. يرى صاحبه نصف الحقيقة فقط، ويغلق أذنيه عن أي نقد، ويعامل كل اختلاف وكأنه تهديد وجودي. وهكذا تتحول الفصائل التي يفترض أن تكون أدوات لخدمة القضية إلى جدران تفصل أبناء الشعب الواحد عن بعضهم البعض.

 

والحقيقة المؤلمة أن هذه الثقافة ليست أصيلة في التجربة الوطنية الفلسطينية. فقد عرف الفلسطينيون عبر تاريخهم الطويل محطات مشرقة من الوحدة الوطنية، حين كان الهدف الأكبر يعلو فوق كل الانتماءات التنظيمية. يومها كانت فلسطين هي الهوية الجامعة، وكانت البنادق والرايات المختلفة تلتقي عند هدف واحد.

 

أما اليوم، فإن استمرار هذه الحالة من الاستقطاب الحاد يهدد بتآكل الروح الوطنية الجامعة التي شكلت أساس صمود الشعب الفلسطيني لعقود طويلة. فالقضية التي تواجه واحدًا من أقسى مشاريع الاستعمار في العصر الحديث لا يمكن أن تصمد إذا كانت جبهتها الداخلية ممزقة.

 

إن الاختلاف السياسي أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع حي، لكن التعصب الذي يحول هذا الاختلاف إلى صراع دائم هو أمر مدمر. فالتعددية قوة حين تكون تحت سقف الوطن، لكنها تتحول إلى ضعف حين تصبح سلاحًا لتفتيته.

 

واليوم، في ظل التحديات غير المسبوقة التي تواجه القضية الفلسطينية، يصبح السؤال الأخلاقي والوطني واضحًا: هل سنبقى أسرى صراعات حزبية ضيقة، أم سنعيد الاعتبار لفكرة أن فلسطين أكبر من الجميع؟

 

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها تتطلب خطابًا وطنيًا شجاعًا يعترف بأن الانقسام ليس قدرًا، بل نتيجة خيارات يمكن تغييرها. وتتطلب أيضًا وعيًا شعبيًا يرفض ثقافة التحريض الحزبي، ويعيد توجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي.

 

فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تشعل الخلاف، بل إلى أصوات تعيد تذكير الجميع بأن الوطن لا يُختزل في فصيل، ولا يُختطف باسم حزب.

 

فلسطين كانت وستبقى أكبر من كل التنظيمات، وأسمى من كل الحسابات الضيقة.

والتاريخ لن يذكر من كان أكثر تعصبًا لفصيله، بل من كان أكثر إخلاصًا لوطنه.

 

وفي زمن التحديات الكبرى، تبقى الحقيقة الأوضح:

أن أخطر ما يمكن أن يصيب القضية الفلسطينية ليس قوة خصومها… بل انقسام أبنائها. 

 

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط