مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سفينة مصر... متصدقش

سفينة مصر... متصدقش

تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:31

عائد زقوت
عائد زقوت

تعجز الكلمات عن أنْ تتراصّ بما يكفي لتعبر عمّا شكّله العبور الخالد صباح السادس من أكتوبر 1973؛ ذلك العبور الذي عبَرَت معه رايات مصر، وهي ترفرف يعلوها صوت "الله أكبر"، في لحظة من الفخر والكبرياء، سطرَّت فيها مصر ملحمة البطولة في أنصع صفحات التاريخ؛ لحظة لم تستقر في وجدان المصريين وحدهم، بل في وجدان كل عربي وكل إنسان حر.

ولعل نتائج أكتوبر لم تكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل شكّلت مرتكزًا في هندسة الشرق الأوسط على مدى أكثر من خمسة عقود؛ هندسة تحاول قوى مناهضة لها تغيير قواعدها منذ 2011، وصولًا إلى محاولات إنهاك الدولة من أطرافها، والعبث بأمنها المائي، بما يحمله ذلك من تهديد وجودي.

جاءت كلمة "متصدقش" في عنواني، باللهجة المصرية الشعبية، لا باعتبارها اسم منصة فحسب، بل رمزًا لحملات لا تتوقف عن النهش في جسد الدولة.

فقد أعلنت وزارة الداخلية، في الأول من أكتوبر، ضبط ستة من القائمين على منصة تحمل هذا الاسم، وقالت، بحسب ما أعلنته، إنّ الصفحة تُدار من الخارج، وتبث أخبارًا مغلوطة وتُحرّف الحقائق، وإنها مرتبطة بلجان إعلامية لجماعة الإخوان.

لكن المسألة، في جوهرها، أكبر من منصة أو صفحة أو حملة؛ فثمة من اعتادوا بيع الجماهير نشوة الهدم، والاقتئات على خطاب الكراهية، وتشويه الدين بممارسات الأفراد والجماعات، حتى جعلوه أداة للتعبئة وشرعنة للسلطة، وكأن الطريق إلى النفوذ لا يمر إلا عبر إنهاك المجتمع، وإفقاده ثقته بنفسه ودولته.

يخطئ أولئك، وغيرهم، إذا ظنوا أنّ مصر يمكن أن تحني جبهتها أمام مثل هذه الحملات؛ فمصر، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، حقيقة تاريخية قبل أن تكون حقيقة جغرافية. فتاريخها عَبْرَ القرون ليس صفحات محفوظة، بل قدرة متراكمة على العبور من العواصف التي ظن كثيرون أنها ستقتلعها من مكانها.

لقد صنعت مصر من عبورها المجيد سفينة المجد؛ قاد دفتها شعبها وقادتها وجيشها، ومضت بها عبْرَ مراحل التاريخ، لا لأنها لم تعرف العواصف، بل لأنها عرفت كيف تعبرها.

وفي البحر، لا تُقاس قوة السفينة بثباتها أمام الموج، بل بقدرتها على امتصاص الصدمة دون أن تفقد اتجاهها، وأن تعيد توازنها فور انحسار العاصفة، وأن تعرف أن النجاة من الموجة لا تعني أن البحر صار هادئًا.

لكن المعنى الأعمق يكمن في قدرة السفينة على أن تتعلم مِن العاصفة، لا على أن تنجو منها فحسب؛ فالسؤال الحقيقي ليس كيف عبَرَت الأزمة، بل ماذا فعلت بعد أن عبرتها.

فالدولة لا تُقاس بقدرتها على عبور الأزمة فحسب، بل بقدرتها على التعلم منها. هناك دولة تنجو من العاصفة ثم تعود إلى ما كانت عليه، وأخرى تُحوّل كل عاصفة إلى فرصة تُصلح بها ما كشفته الرياح؛ فالأولى تدير الأزمة، والثانية تبني قدرة مؤسسية على مواجهة ما بعدها.

فالاستقرار ليس دائمًا دليلًا على سلامة البناء، وتجاوز الأزمة لا يعني زوال أسبابها؛ فقد تنتهي أزمة سياسية من دون تغيير جوهري، وتُحتوى أزمة أمنية فتبدو الدولة مستقرة. لكن الاستقرار الحقيقي يبدأ حين تتحول خبرة الأزمات إلى مؤسسات قادرة على منع تكرارها.

وعليه، فإنّ الدولة الحديثة لا تقاس بعدد مؤسساتها فقط، وإنما بقدرتها على جعل هذه المؤسسات تعمل ضمن منظومة واحدة، تتكامل فيها الأدوار، وتتحدد فيها المسؤوليات، ويكون القرار فيها واضحًا عندما يحين وقت القرار.

ولا يعني ذلك أنّ الدولة القوية تخشى النقد أو تَضيق بالاختلاف؛ فالنقد حق، والمساءلة ضرورة، والاختلاف في السياسات والوسائل جزء من حيوية المجتمع. لكن النقد شيء، والتضليل المنظم وتحويل الكراهية إلى أداة لهدم الثقة العامة شيء آخر؛ وبينهما ينبغي أن يبقى الفاصل واضحًا.

وهنا نصل إلى الدفة؛ فمواجهة التضليل لا تكفي وحدها، بل تحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى من يمسك بالدفة.
فالسفينة لا تكفيها قوة المحرك إذا تعددت الأيدي على المقود، وقد لا ينقصها الوقود ولا الرجال، وإنما ينقصها الاتفاق على الاتجاه؛ والدولة لا تكفيها مؤسسات القوة إذا لم يكن واضحًا من يملك القرار النهائي، ومن يتحمل مسؤوليته، ومن يملك القدرة على إنفاذه.

ترتبط سيادة الدولة، في الفكر السياسي الحديث، بمفهوم احتكار الاستخدام المشروع للقوة، وهو المفهوم الذي ارتبط تقليديًا بأعمال ماكس فيبر. 

وإذا كانت السيادة تقتضي وضوح الجهة التي تملك هذا الاستخدام؛ فالسؤال الأعمق ليس عن السلاح، بل عن اليد التي تملك قرار استخدامه، ومن تتحمل المسؤولية عندما يُستخدم. 

فحين تتعدد مراكز القوة، يمكن أن تتحول في لحظة الأزمة إلى تعدد في مراكز القرار. وهو التحدي الذي يفرض تنظيم هذه المراكز، لا تأجيل السؤال عنها؛ ومن هنا يمكن قراءة نموذج إنشاء "الأوكتاجون" كأحد أوجه الاستجابة لمقتضيات بناء الجمهورية الجديدة، ضمن مسار أوسع نحو فضاء الحداثة، لا خاتمة له.

فالدولة القادرة ليست التي لا تنحني أمام العاصفة، ولا التي تنكسر أمامها، بل التي تعرف متى تنحني، ومتى تعود إلى شكلها، ومتى تُصلح ما أصابها قبل أن تأتي الموجة التالية.

وهكذا، فالمعيار ليس ما تبدو عليه الدولة في هدوئها، بل ما تفعله حين تعصف بها الأزمات؛ ففي البحر الهادئ تبدو السفن متشابهة، لكن العاصفة تكشف الحقيقة.

هذا المشهد الحيّ يعيدنا إلى مصر السفينة التي عبَرَت في أكتوبر، لم تخشَ عواصف البحر، ولن تخشى عواصف السياسة والاقتصاد والأمن والمياه والإعلام.

غير أنّ قوة السفينة لا تأتي من دفتها وحدها، بل من إيمان ركابها بأنّ نقد الطريق لا يعني هدم المركب، كما أنّ الحفاظ على المركب لا يعني تجاهل ما يحتاج إلى إصلاح.

مصر اليوم أحوج ما تكون إلى أن يتعاضد شعبها مع نفسه، وأن يلتف حول دولته؛ لا التفاف الخائف حول حصنه، بل التفاف الشريك حول وطنه. 
والالتفاف حول الدولة لا يعني إعفاءها من النقد أو المساءلة، كما أنّ نقدها لا ينبغي أن يتحول إلى هدم للثقة العامة؛ فالدولة القوية تحتاج شعبًا متماسكًا، والشعب المتماسك يحتاج دولة تحمي وجوده وتصون مستقبله.

فليختلف المصريون كما يشاؤون، وليتجادلوا، ولينتقدوا، وليختلفوا في السياسات والوسائل؛ لكن عليهم أن يتفقوا على أنّ السفينة لهم جميعًا، وأنّ خرقها لا يُغرق خصمًا دون آخر، وأنّ إضعاف الدولة لا يصيب طرفًا ويترك آخر، فحينما يتهتك بنيان الجسد لا تنقذه الروح.

لكل ما سبق، لا تصدق كل "متصدقش" تُلقى في وجهك؛ لا تصدق من يريد أن يقنعك بأنّ مصر عاجزة، أو أنّ ما تحقق لا قيمة له لأنّ الطريق ما زال طويلًا. نعم، الطريق طويل، وربما أطول مما نرجو، لكن الأمم لا تُقاس بطول ما قطعته، بل بما تختزنه من صلابة تواصل بها المسير.

وإذا كانت "متصدقش" قد جاءت في وجهها الأول للتشكيك، فلها وجه آخر ينبغي أن يبقى حيًا فينا: متصدقش أنّ مصر لا تستطيع، متصدقش أنّ المصري فقد قدرته على العبور، متصدقش أنّ هذه السفينة فقدت بوصلتها.

قد تهب العاصفة، وقد يعلو الموج، لكن مصر ليست وليدة لحظة، ولا دولة صنعتها موجة عابرة؛ قد تنحني أمام الأمواج العاتية، لكنها لا تتخلى عن دفتها؛ وقد تتعثر، لكنها لا تفقد إرادة الوصول.

وفعلًا... ما تصدقش يا مصري إنك مش مصري.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط