مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سايكس بيكو .. الطبعة الأمريكية

سعت الولايات المتحدة على مدى السنوات العشر الأخيرة الى اسقاط أنظمة مستبدة فى الشرق الاوسط ضمن استراتيجيتها المعلنة لنشر الديمقراطية فى المنطقة فسقط نظام يلو آخر دون تحقيق الهدف الأساسي,
 وهو بناء أنظمة ديمقراطية بديلة، بل حدث العكس وتحولت الدول الى ساحات مفتوحة للصراع والاقتتال الأهلى والطائفى والعنف المسلح وانتشار الارهاب عوضا عن الديمقراطية, حدث ذلك فى العراق وليبيا واليمن ومصر (عندما اعتلت السلطة جماعة الاخوان لتمثل استبداد أخطر من أى استبداد قديم) ونفس الشيء يحدث فى بلاد أخرى مرشحة لنفس المصير مثل سوريا وربما البحرين والقائمة مازالت طويلة .
دخلت أمريكا أيضا حروبا ضد جماعات مسلحة ضمن استراتيجية أخرى باسم محاربة الارهاب، فاستهدفت «طالبان» فى أفغانستان و«القاعدة» المنتشرة فى أرجاء المنطقة والمتمركزة حاليا فى اليمن، وأخيرا «داعش» التى تسيطر على أجزاء كبيرة من سوريا و العراق . ولكن فى جميع هذه الحالات لم تحقق نصرا حاسما أو لم تمض فى الطريق الى نهايته (ولايبدو أن حربها الدائرة الآن ضد داعش ستكون استثناء) كما أن انتماء هذه التنظيمات الى العالم السنى لا يعنى أنها ليست فى مواجهة مع التنظيمات المشابهة على الجانب الآخر، أى الشيعي، فالجميع يتقاتل والجماعات المسلحة تتزايد والنتيجة الطبيعية أن الدول تسقط وتنهار، والسيادة الوطنية تتآكل، والتداخل بين القوى المحلية و الخارجية يصبح أكثر تعقيدا و تشابكا بحيث تعود المنطقة تدريجيا الى حقبة «اللا دولة».
اذن كيف نقيم الاستراتيجية الأمريكية والى ماذا ترمي؟ إن الاجابة السهلة دائما ما تشير الى أن أمريكا تفتقد الى الرؤية وأنها تفتح ملفات ولا تغلقها وتبدأ حربا ولا تنهيها، بل كثيرا ما تترك الأوضاع فى حالة أسوأ مما كانت عليه من وجهة نظر الكثيرين (مثلما حدث فى أفغانستان والعراق وليبيا). إنها ببساطة لا تفكر - من وجهة النظر هذه فى «اليوم التالى» أو بالمصطلح الأمريكى الشهير « The Day after، وهو ما بعنى عدم امتلاك البديل .
من الممكن أن تكون هذه هى الاجابة أو لا تكون أيضا، بمعنى أن الهدم والتفكيك قد يكون هو الهدف فى ذاته فى هذه المرحلة وليس البناء. اذ أنه فى كل هذه الحالات (سواء على مستوى الدول او محاربة الجماعات المتطرفة) لا تظهر لنا إلا أجزاء صغيرة من صورة أكبر لم تكتمل ملامحها بعد. والمنطق هنا هو عكس المنطق السابق الذى يرى ان أمريكا لا تمتلك رؤية أو أن فكرها الاستراتيجى غائب. إن هذا مما يصعب تصديقه, فلماذا تنفق المليارات على هذه التدخلات العسكرية؟ بل لماذا تتدخل أصلا اذا كانت تفتقد الى الرؤية؟ المؤكد أنها - أى أمريكا - لا تتدخل بهذه القوة الا عندما يمس الأمر مصالحها بشكل مباشر. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح لابد أن تكون هناك رؤية استراتيجية أى طويلة المدى .
يثارالحديث الآن فى الدوائر السياسية والبحثية الأمريكية عن «سايكس - بيكو» الجديدة فهنرى كيسنجر الدبلوماسى البارز ومنظر السياسية الأمريكية لعقود، والذى سبق وصرح بأنه لا حل فى سوريا سوى التقسيم، يؤكد أن ظاهرة انهيار الدول فى الشرق الأوسط وتزايد دور الجماعات غير الخاضعة للدولة تعنى أننا إزاء تسويات اقليمية جديدة يصفها بأنها شبيهة بتسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى. وبنفس المنطق يؤكد ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الامريكى ومؤلف كتاب «حرب الضرورة وحرب الاختيار.. مذكرات حربين فى العراق «أن سايكس بيكو جديدة هى الحل لأمريكا فى سوريا والعراق ، وأن تفكك الشرق الأوسط بشكله القديم بات مؤكدا فى انتظارآخر جديد بدأ يأخذ مكانه. وتخلص كثير من الدراسات والأبحاث الصادرة عن المراكز الأكاديمية الى نفس النتيجة. ففى دراسة عن معهد بروكينجز لمجموعة من الخبراء حول اعادة تشكيل العالم العربى تنتهى الى أنه ليس بالضرورة أن يكون التقسيم سريعا أو معلنا فى البداية، ولكنه قد يحدث على أرض الواقع أولا وتسميه بـ «التقسيم الناعم» والذى تزداد احتمالاته الآن مع تزايد الحروب حول الهوية واسلوب الحكم وتوزيع الثروة والسلطة التى أصبحت متاحة للجميع وفق ما تشير اليه الدراسة - من خلال العمل المسلح من قبل جماعات أو طوائف أو أقليات، بحيث تكون المنطقة إزاء ظاهرة جديدة تتلخص فى نشوء كيانات أقل من الدولة تسميها «شبه دول «Semi State، وأن هذا السيناريو هو الأقرب للتحقيق من احتمالات التحول الديمقراطى أو استعادة الدولة القومية . أى مرة أخرى سايكس بيكو جديدة .
المعروف أن اتفاقية سيكس بيكو التى وقعت فى 1916 بين القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الامبراطورية العثمانية، هى التى قسمت منطقة المشرق العربى أو ما كان يطلق عليه «الهلال الخصيب» ووضعت له الحدود (سوريا ولبنان ومنطقة الموصل فى العراق من نصيب فرنسا، وبغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة من الخليج العربى الى المنطقة الفرنسية فى سوريا وكذلك فلسطين وميناءا حيفا وعكا المطلان على البحر المتوسط من نصيب بريطانيا على أن يكون لفرنسا حق استخدام الميناء الأول) أى أن التقسيم تم على أساس المناطق و الأقاليم بغض النظر عن حجمها ومساحتها فقط وفقا لأهميتها الاستراتيجية لذلك فغالبا ما توصف هذه الحدود بالمصطنعة .
والتقسيم الجغرافى ليس هو كل ما يتعلق بسايكس بيكو، انما تقاسم الثروات تحديدا البترولية كان هو الجوهر الذى أعطى لهذه الاتفاقية أهميتها وخطورتها بل استمرار الحديث عنها حتى بعد مرور ما يقرب من المائة عام على توقيعها. ولأن أمريكا زاحمت تلك الدول الأوروبية القديمة فى المنطقة بعد الحرب باعتبار أن مشاركتها فيها كانت سببا فى حسمها لمصلحة الحلفاء، فقد بدأت الشركات البترولية الأمريكية فى الدخول مع مثيلاتها البريطانية و الفرنسية للحصول على امتيازات التنقيب على البترول خاصة فى العراق (مؤتمر سان ريمو 1920) ونفس السبب كان وراء ضم «الموصل» الغنية بالبترول للعراق وخصمه من نصيب فرنسا لمصلحة بريطانيا الحليف الأقرب لأمريكا وفقا للاتفاقية البريطانية التركية التى راعتها الولايات المتحدة (1928). وبانتهاء الحرب العالمية الثانية, التى أرخت لبداية الحقبة الأمريكية فى المنطقة، تأكدت هذه النزعة و أصبح تأمين تدفق البترول بأسعار مناسبة أو زهيدة وضمان سلامة الممرات المائية، وفى مقدمتها قناة السويس وتلك التى على سواحل البحر المتوسط والتى تستخدم فى تأمين وصول النفط الى الغرب، هما الركنين الأساسيين للاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط وفق مذهب أيزنهاور فى الخمسينيات أى منذ ذلك التاريخ وحتى الآن .
لم تختلف الأسباب كثيرا اليوم، فأمريكا مازالت أكبر مستهلك ومستورد للطاقة ولبترول الشرق الأوسط وسيستمر الأمر كذلك لفترة طويلة قادمة، كما أن نفس المنطقة (سوريا والعراق) هى التى يدور حولها الحديث عن التقسيم وهى ايضا التى تشهد حروب مناطق وأقاليم، كذلك فإن الأكراد حلفاء واشنطن هم الذين سيطروا على أهم المدن النفطية فى العراق بعد الغزو الأمريكى له 2003 (الموصل وكركوك) وهم أيضا الذين يقيمون «شبه دولة» ويشاركونها بقوة فى حربها على داعش التى احتلت المدينة الأولى ، وفى المقابل مازالت تركيا طرفا أساسيا وشريكا فى التغيرات التى تشهدها تلك المنطقة مثلما كان الحال إبان الحرب العالمية الأولي. من هنا تبدأ سايكس بيكو الجديدة ولكن بطبعة أمريكية .
عن الاهرام

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط