مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

رسالة "أصيلة" الأصيلة

رسالة "أصيلة" الأصيلة

تاريخ النشر: 2025-03-02 | 11:44

حين تنتقل "قرية" لتصبح بمواصفات " مدينة"، فذلك أمرٌ لا بدّ أن يكون وراءه عمل جبار، فما بالك حين تتطلّع فيه المدينة لتصبح ملتقى مفتوحاً وحضارياً وعصرياً ومعلماً سياحياً ومقصداً يستقطب نخباً متميّزة ولامعة من خيرة المثقفين كل عام، فإنه ولا شكّ سيكون شيئاً استثنائياً بكل المعايير بحساب الزمن المحدود الذي يتم فيه مثل هذا التطوّر والتغيير.

لم تكن مدينة أصيلة ، ذات الطراز الأندلسي  قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في العام 1978، سوى إحدى "مدن" المغرب الساحلية المحدودة السكان والمساحة التي  تستلقي بطريقة أقرب إلى العزلة  على شواطئ المحيط الأطلسي، لكنها بفعل عمل مثابر وإصرار أكيد وإرادة واعية وعقل مستنير أخذت تزهر مثل شجرة اللوز حين يلامسها هواء منعش، لدرجة أن أصيلة تنتظر موسمها الثقافي بفرح غامر مثلما تنتظر الأرض العطشى إلى المطر، في موسم الصيف، فتزهو به المدينة الممتزجة بألوان البحر والشمس الذهبية حيث تكون مستعدة لاستقبال زوارها من مغرب الوطن العربي الكبير ومشرقه ومن ضفتي المتوسط والمحيط الأطلسي وعلى امتداد أوروبا والعالم كلّه، وكأنها تدعو الجميع إلى وليمة شهيّة للفكر والفن والأدب والثقافة بكل أجناسها.

وبالتدرّج والتراكم اندغم الموسم الثقافي للمدينة المفتوحة ليتفاعل مع برنامج التنمية لها ولعموم البلاد، حيث تم تأسيس بنية تحتية وإنشاء مرافق عمرانية تكون قادرة على استيعاب هذا التطوّر، لترتدي المدينة حلّتها الموسمية بما فيها من رمزية ثقافية ومدنية وكأنها معرض مفتوح في الهواء الطلق يزورها عشرات الآلاف من المثقفين والسيّاح كل عام، سواء في موسمها الثقافي أم على طول أيام السنة، من المغرب أم من خارجه.

هكذا تحوّلت "المدينة" التي عُرفت قديماً باسم " أزيلا" أو أرزيلا" أو "أصيلا" لتستقر على اسم " أصيلة" إلى صرح حضاري جاذب وواعد. وكانت قد تأسست قبل ما يزيد عن ألفي عام من الزمان وشهدت ألواناً مختلفة من الهجرات والسلالات والأديان، حيث استعادت مجدها التاريخي والاستراتيجي التجاري مجددة ذلك بموسمها الثقافي، وهي مدينة لا يزيد عدد سكانها عن 30 ألف نسمة إلّا قليلاً حسب آخر إحصاء سكاني (العام 2013) ومساحتها نحو 33 كم2، وذلك بفضل أحد أبرز رموز الثقافة والدبلوماسية والإدارة الذي كان لإصراره الدور الأكبر في أن تنتقل أصيلة من "قرية" معزولة وربما منسيّة إلى حاضرة مدنية يُشار إليها بالبنان.

حين عاد محمد بن عيسى  إلى المغرب بعد انتهاء عمله في الولايات المتحدة قرّر أن يخدم مدينته ومسقط رأسه، ففكّر بإنعاش العمران بالثقافة والثقافة بالعمران، وهكذا انعقد رباط وثيق بين الاثنين، فكلّما كانت المدينة تتطوّر عمرانياً، كانت مكانتها الثقافية والحضارية تزداد أهمية حتى غدت أحد معالم المغرب المهمة وهي ملتقى سنوي للحوار وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر لنشر ثقافة السلام واللّاعنف وبحث وتحليل قضايا التعصّب والتطرّف والغلو والإرهاب، وفي الوقت نفسه التفكير في البدائل: التسامح والإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف، وإحياء قيم العدل والجمال والخير، عبر  التواصل والتفاعل والاجتماع الإنساني، لاسيّما بالفن والأدب والفكر والثقافة بكل فروعها وأجناسها، وتلك هي رسالة أصيلة "الأصيلة".

حين تتوغل في "المدينة" وأنت قادم من مدينة طنجة التي لا تبعد عن أصيلة أكثر من 40 كيلومتراً يواجهك البحر بزرقته المميّزة وكأن لون الفيروز انطبع عليه أو أنه انطبع على الفيروز ليأخذ لونه، وكما يقول الشاعر  الجواهري في غزله ببراغ:

" أعلى الحسن ازدهاءً وقعت       أم عليها الحسن زهواً وقعا؟"

ولعلّ أول ما يلفت انتباهك أن منازل المدينة متّشحة بالبياض وملفحة بالزرقة هي أيضاً، وذلك في إطار تناسق جميل، يضاف إليه جداريتها المزيّنة برسوم فنانين تشكيليين من مدارس وأجيال مختلفة، وحين تسير في دروبها الضيقة وفي الأحياء القديمة تشاهد الأسوار العالية المحاطة بها، وفي كل ذلك ثمة أمر يدعوك للتأمل وهو نظافة المدينة والهواء العذب حتى في أيام الصيف الحارة، علماً بأن مناخها معتدل ومطير باستثناء فصل الصيف حيث يكون جافاً نسبياً. أما البيئة فغدت مصدر اهتمام المسؤولين والناس على حدّ سواء، حيث تتميّز البيوت والأزقة بواجهات جميلة مغروسة بالنباتات والورود، وتحرص بلدية "المدينة " التي لا يزال مهندس فكرة موسم أصيلة الثقافي رئيسها على أن تبقى أصيلة ترتدي ثوبها الأخضر.

أما السور الذي يحيط بالمدينة فيبلغ طوله 1200 متر وبارتفاع يتراوح بين 5 و7 أمتار وفيه خمسة أبواب، هي أبواب القصبة والبحر والسوق والحومر والقريفية وتقع المدينة الجديدة خارج السور، حيث أنشأت إسبانيا حي بارادا Parada 1924-1956، وفيه عدد من الشوارع الحديثة. وفي المدينة بعض المعالم الأثرية المهمّة مثل المسجد الجامع وساحة وبرج القمرة وساحة الطيقان وبرج القريفية وقصر الريسوني ومركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية وقصر الخضر غيلان المشيّد على الطراز الأندلسي.

وقد خلّدت المدينة أسماء زوارها ومريديها من كبار المثقفين ومنهم الشاعر العراقي بلند الحيدري والروائي السوداني الطيب صالح وتشكايا أوتامسي الشاعر الكونغولي والشاعر الفلسطيني محمود درويش والمفكر المغربي محمد عابد الجابري والشاعر المغربي وابن أصيلة أحمد عبد السلام البقالي والشاعر والأديب المغربي محمد عزيز لحبابي وغيرهم.

وضمّ الخليط الديموغرافي لمدينة أصيلة أجناساً وعروقاً وأدياناً ولغات مختلفة، من الأمازيغ والأصول الأندلسية والعرب المسلمين، إضافة إلى اليهود والمسيحيين، ولاسيّما من الأوروبيين، وخصوصاً البرتغاليين الذين كان عددهم يزيد على عدد المسلمين حتى أخذ العدد بالتناقص وأصبح عدد المسلمين يزيد على 99% ، وتوجد في المدينة زوايا صوفية لطرق متنوعة، كما يوجد فيها 33 مسجداً، وهناك نسبة ضئيلة من المسيحيين (بضع عشرات)، وإضافة إلى اللغة العربية هناك اللغتين الفرنسية والإسبانية.

منذ أربعة عقود من الزمان بدأت مكانة أصيلة تزداد أهمية بالترافق مع مهرجانها أو موسمها الثقافي المفتوح، حيث يحجّ إليها سنوياً عشرات من المثقفين الكبار ويحرص مئات من  الفنانين والأدباء الشباب على زيارتها. وفي هذا العام يطفئ موسم أصيلة السنوي 40 شمعة  من عمره وهو عمر النضج، حيث يعتبر أحد أكثر وأهم المهرجانات  الثقافية المعمّرة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار "مهرجان المربد" (العراق) و"مهرجان الجنادرية" (المملكة العربية السعودية) و"مهرجان البابطين" ( الكويت)، وهو مثل كل عام مناسبة حيوية تنبض  بالحياة، وخصوصاً  في دينامكيتها  الثقافية أدباً  وموسيقى وغناءً وفنوناً: رسماً ونحتاً ومسرحاً في أجواء مشبعة بالحرّية وثقافة السلام والتنوّع والتعددّية. ويقدّر أن تستضيف المدينة هذا العام ضيوف شرف مميّزين بمشاركة عدد من المثقفين المبدعين  كتاباً وإعلاميين ومفكرين وأكاديميين وفنانين.

ويشرف على الموسم الثقافي لأصيلة "مؤسسة أصيلة" و"جامعة المعتمد بن عباد"وهي جامعة صيفية ، حيث عمل محمد بن عيسى على إطلاقها لتتحوّل المدينة إلى تظاهرة شاملة وفضاء مفتوح للفرح والبهجة وجداريتها إلى ألوان وأنواع من التعبير الفني، حيث تزدحم القاعات والفندق الذي تم انشاؤه وعدد من فنادق طنجة إلى خليّة نحل للصداقة والتواصل الإبداعي والحضاري، بما فيها مكتبة الأمير بندر بن سلطان التي شهدت في العام 2004 ملتقى سينما جنوب - جنوب.

وإذا كان "موسم منتدى أصيلة" قد شهد العام الماضي 2017 مناقشة واسعة حول قضايا الشعبوية والخطاب الغربي والحكامة الديمقراطية والمسلمون في الغرب  والفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية، فإن هذا العام من المقدّر أن يناقش قضايا ذات اهتمام متزايد تتعلّق بالمشروع الحضاري النهضوي ومسائل العنف واللّاعنف والمعوّقات التي تقف حجر عثرة أمام التنمية المستدامة بمختلف جوانبها، ولاسيّما قضايا التعليم والتربية، إضافة إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

 منذ أربعة عقود من الزمان وموسم منتدى أصيلة هو موعد يتجدّد فيه الحوار المعرفي الثقافي الذي يقرّ بل يتمسك بالحقوق والعدالة، وهي تلك التي أسماها المهاتما غاندي "الساتياغراها" وهو مصطلح اشتّقه من اللغة السنسكريتية ويعني " الإصرار على الحق ومقاومة الظلم والتخلّص من العداوات والكراهية" على أساس الاعتراف بالآخر وتعظيم الجوامع والمُشتركات الإنسانية وتقليص الفوارق والمُختلفات، إذْ يبقى الجامع الأهم بين البشر هو التواصل والسلام والجمال والثقافة والمشترك الإنساني، فما بالك حين يكون مصحوباً بالمحبة والبحر والأمل، وهو ما تسعى إليه رسالة أصيلة "الأصيلة" .

 

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط